وهذا يتبين في أعلى المراتب في الأمر والنهي كوجوب الإيمان وحرمة الكفر ووجوب إحياء النفوس ومنع إتلافها وما أشبه ذلك فكان يكون الإيمان الذى لا أعلى منه في مراتب التكليف منهيا عنه من جهة مافيه من كسر النفس من إطلاقها وقطعها عن نيل أغراضها وقهرها تحت سلطان التكليف الذى لا لذة فيه لها وكان الكفر الذى يقتضى إطلاق النفس من قيد التكليف وتمتعها بالشهوات من غير خوف مأمور به أو مأذونا فيه لأن الأمور الملذوذة والمخرجة عن القيود القاهرة مصلحة على الجملة وكل هذا باطل محض بل الإيمان مطلوب بإطلاق والكفر منهى عنه بإطلاق فدل على أن جهة المفسدة بالنسبة إلى طلب الإيمان وجهة المصلحة بالنسبة إلى النهي عن الكفران غير معتبرة شرعا وإن ظهر تأثيرها عادة وطبعا
والثانى أن ذلك لو كان مقصود الإعتبار شرعا لكان تكليف العبد كله تكليفا بما لا يطاق وهو باطل شرعا أما كون تكليف ما لا يطاق باطلا شرعا فمعلوم في الأصول وأما بيان الملازمة فلأن الجهة المرجوحة مثلا مضادة في الطلب للجهة الراجحة وقد أمر مثلا بإيقاع المصلحة الراجحة لكن على وجه يكون فيه منهيا عن إيقاع المفسدة المرجوحة فهو مطوب بإيقاع الفعل ومنهى عن إيقاعه معا والجهتان غير منفكتين لما تقدم من أن المصالح والمفاسد غير متمحضة فلا بد في إيقاع الفعل أو عدم إيقاعه من توارد الأمر والنهي معا فقد قيل له افعل ولا تفعل لفعل واحد أي من وجه واحد في الوقوع وهو عين تكليف ما لا يطلق
لا يقال إن المصلحة قد تكون غير مأمور بها ولكن مأذونا فيها فلا يجتمع الأمر والنهي معا فلا يلزم المحظور
لأنا نقول إن هذا لا يطرد في جميع المصالح فإن المصلحة كما يصح أن تكون مأذونا فيها يصح أن تكون مأمورا بها وإن سلم ذلك فالإذن مضاد للأمر والنهي