عادة كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع كما نقول إن النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة الإحياء بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها أو اتلافها وإحياء المال كان إحياؤها أولى فإن عارض إحياؤها إماتة الدين كان إحياء الدين أولى وإن أدى إلى إماتتها كما جاء في جهاد الكفار وقتل المرتد وغير ذلك وكما إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة في المحارب مثلا كان إحياء النفوس الكثيرة أولى وكذلك إذا قلنا الأكل والشرب فيه إحياء النفوس وفيه منفعة ظاهرة مع أن فيه من المشاق والآلام في تحصيله ابتداء وفى استعماله حالا وفي لوازمه وتوابعه انتهاء كثيرا
ومع ذلك فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا لا من حيث أهواء النفوس حتى إن العقلاء قد اتفقوا على هذا النوع في الجملة وإن لم يدركوا من تفاصيلها قبل الشرع ما أتى به الشرع فقد اتفقوا في الجملة على اعتبار إقامة الحياة الدنيا لها أو للآخرة بحيث منعوا من اتباع جملة من أهوائهم بسبب ذلك هذا وإن كانوا بفقد الشرع عل غير شيء فالشرع لما جاء بين هذا كله وحمل المكلفين عليه طوعا أو كرها ليقيموا أمر دنياهم لآخرتهم
والثالث أن المنافع والمضار عامتها أن تكون اضافية لا حقيقية ومعنا كونها اضافية أنها منافع أو مضار في حال دون حال وبالنسبة إلى شخص دون شخص أو وقت دون وقت فالأكل والشرب مثلا منفعة للإنسان ظاهرة ولكن عند وجود داعية الأكل وكون المتناول لذيذا طيبا لا كريها ولا مرا وكونه لا يولد ضررا عاجلا ولا آجلا وجهة اكتسابه لا يلحقه به ضرر