لأنا نقول لم يثبت فضله مطلقا بل من حيث التوسل به إلى العمل بدليل ما تقدم ذكره آنفا وإلا تعارضت الأدلة وتناقضت الآيات والأخبار وأقوال السلف الأخيار فلا بد من الجمع بينها وما ذكر آنفا شارح لما ذكر في فضل العلم والعلماء وأما الإيمان فإنه عمل من أعمال القلوب وهو التصديق وهو ناشىء عن العلم والأعمال قد يكون بعضها وسيلة إلى البعض وإن صح أن تكون مقصودة في أنفسها أما العلم فإنه وسيلة وأعلى ذلك العلم بالله ولا تصح به فضيلة لصاحبه حتى يصدق بمقتضاه وهو الإيمان بالله
فإن قيل هذا متناقض فإنه لا يصح العلم بالله مع التكذيب به
قيل بل قد يحصل العلم مع التكذيب فإن الله قال في قوم وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم وقال الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقال الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون فأثبت لهم المعرفة بالنبى صلى الله عليه و سلم ثم بين أنهم لا يؤمنون وذلك مما يوضح أن الإيمان غير العلم كما أن الجهل مغاير للكفر
نعم قد يكون العلم فضيلة وإن لم يقع العمل به على الجملة كالعلم بفروع الشريعة والعوارض الطارئة في التكليف إذا فرض أنها لم تقع في الخارج فإن العلم بها حسن وصاحب العلم مثاب عليه وبالغ مبالغ العلماء لكن من جهة ما هو مظنة الانتفاع عند وجود محله ولم يخرجه ذلك عن كونه وسيلة كما أن في تحصيل الطهارة للصلاة فضيلة وإن لم يأت وقت الصلاة بعد أو جاء ولم يمكنه اداؤها لعذر
فلو فرض أنه تطهر على عزيمة أن لا يصلى لم يصح له ثواب الطهارة فكذلك إذا علم على أن لا يعمل لم ينفعه علمه وقد وجدنا وسمعنا أن كثيرا من النصارى واليهود يعرفون دين الإسلام ويعلمون كثيرا من أصوله وفروعه ولم يكن ذلك نافعا