المسألة جارية على أصل لغوي لا بد من البناء عليه في العلمين
فهذه أمثلة ترشد الناظر إلى ما وراءها حتى يكون على بينة فيما يأتي من العلوم ويذر فإن كثيرا منها يستفز الناظر استسحانها ببادىء الرأى فيقطع فيها عمره وليس وراءها ما يتخذ معتمدا في عمل ولا اعتقاد فيخيب في طلب العلم سعيه والله الواقي
ومن طريف الأمثلة في هذا الباب ما حدثناه بعض الشيوخ أن أبا العباس ابن البناء سئل فقيل له لم لم تعمل إن في هذان من قوله تعالى إن هذان لساحران الآية فقال في الجواب لما لم يؤثر القول في المقول لم يؤثر العامل في المعمول فقال السائل يا سيدي وما وجه الارتباط بين عمل إن وقول الكفار في النبيئين فقال له المجيب يا هذا إنما جئتك بنوارة يحسن رونقها فأنت تريد أن تحكها بين يديك ثم تطلب منها ذلك الرونق أو كلاما هذا معناه فهذا الجواب فيه ما ترى وبعرضه على العقل يتبين ما بينه وبين ما هو من صلب العلم
والقسم الثالث وهو ما ليس من الصلب ولا من الملح ما لم يرجع إلى أصل قطعي ولا ظني وإنما شأنه أن يكر على أصله أو على غيره بالإبطال مما صح كونه من العلوم المعتبرة والقواعد المرجوع إليها في الأعمال والإعتقادات أو كان منهضا إلى إبطال الحق وإحقاق الباطل على الجملة فهذا ليس بعلم لأنه يرجع على أصله بالإبطال فهو غير ثابت ولا حاكم ولا مطرد أيضا ولا هو من ملحه لأن الملح هي التي تستحسنها العقول وتستملحها النفوس إذ ليس يصحبها منفر ولا هي مما تعادي العلوم لأنها ذات أصل مبني عليه في الجملة بخلاف هذا القسم فإنه ليس فيه شىء من ذلك
هذا وإن مال بقوم فاستحسنوه وطلبوه فلشبه عارضة واشتباه بينه وبين ما قبله فربما عده الأغبياء مبنيا على أصل فمالوا إليه من ذلك الوجه وحقيقة