أصله وهم وتخييل لا حقيقة له مع ما ينضاف إلى ذلك من الأغراض والأهواء كالإغراب باستجلاب غير المعهود والجعجعة بإدراك ما لم يدركه الراسخون والتبجح بأن وراء هذه المشهورات مطالب لا يدركها إلا الخواص وأنهم من الخواص وأشباه ذلك مما لا يحصل منه مطلوب ولا يحور منه صاحبه إلا بالإفتضاح عند الإمتحان حسبما بينه الغزالي وابن العربي ومن تعرض لبيان ذلك من غيرهما
ومثال هذا القسم ما انتحله الباطنية في كتاب الله من إخراجه عن ظاهره وأن المقصود وراء هذا الظاهر ولا سبيل إلى نيله بعقل ولا نظر وإنما ينال من الإمام المعصوم تقليدا لذلك الإمام واستنادهم في جملة من دعاويهم إلى علم الحروف وعلم النجوم ولقد اتسع الخرق في الأزمنة المتأخرة على الراقع فكثرت الدعاوى على الشريعة بأمثال ما ادعاه الباطنية حتى آل ذلك إلى مالا يعقل على حال فضلا عن غير ذلك ويشمل هذا القسم ما ينتحله أهل السفسطة والمتحكمون وكل ذلك ليس له أصل ينبنى عليه ولا ثمرة تجنى منه فلا تعلق به بوجه
وقد يعرض للقسم الأول أن يعد من الثانى ويتصور ذلك في خلط بعض العلوم ببعض كالفقيه يبنى فقهه على مسألة نحوية مثلا فيرجع إلى تقريرها مسألة كما يقررها النحوى لا مقدمة مسلمة ثم يرد مسألته الفقهية إليها والذى كان من شأنه أن يأتى بها على أنها مفروغ منها في علم النحو فيبنى عليها فلما لم يفعل ذلك وأخذ يتكلم فيها وفى تصحيحها وضبطها والاستدلال عليها كما يفعله النحوي صار الإتيان بذلك فضلا غير محتاج إليه وكذلك إذا افتقر إلى مسألة عددية فمن حقه أن يأتى بها مسلمة ليفرع عليها في علمه فإن أخذ يبسط القول فيها كما يفعله العددى في علم العدد كان فضلا معدودا من الملح إن عد منها وهكذا سائر العلوم التى يخدم بعضها بعضا