ومثله إفراط رفعه بالبكاء وإن لم يقترن بندب ولا نوح وضرب نحو الخد وشق نحو الجيب ونشر الشعر وحلقه ونتفه وتسويد الوجه وإلقاء الرماد على الرأس والدعاء بالويل والثبور أي الهلاك وكل شيء فيه تغيير للزي كلبس ما لا يعتاد لبسه أصلا أو على تلك الصفة وكترك شيء من لباسه والخروج بدونه على خلاف العادة وقد ابتلي كثير من الناس بتغيير الزي مع ما تقرر من حرمته بل كونه كبيرة وفسقا قياسا على تلك المذكورات وإن كانت أفحش منه لأنهم عللوها بما يعم الكل وهو أن ذلك يشعر إشعارا ظاهرا بالسخط وعدم الرضا بالقضاء أما البكاء السالم من كل ذلك فهو جائز قبل الموت وبعده لكن الأولى تركه بعده إن أمكن وقال جمع إنه مكروه لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح فإذا وجبت فلا تبكين باكية
وقد بكى صلى الله عليه وسلم قبله على ولده وغيره
أخرج الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم عاد سعد بن عبادة ومعه جماعة فبكى فلما رأوه بكوا فقال ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه
وأخرجا أيضا أنه رفع إليه صلى الله عليه وسلم ابن لبنته وهو في الموت ففاضت عيناه فقال له سعد ما هذا يا رسول الله قال هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء
والبخاري أنه صلى الله عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله فقال يا ابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون
وأخذ أصحابنا من ذلك كله قولهم دمع العين بلا بكاء لا كراهة فيه بل هو مباح وما مر في الأحاديث الصحيحة من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه اختلفوا في ماذا يحمل عليه والصحيح عندنا أنه محمول على ما إذا أوصى بذلك بخلاف ما إذا سكت فلم يأمر ولم ينه أو أمر فإنه يعذب بسبب أمره وامتثالهم له لأن من سن سنة سيئة عليه وزرها ووزر من يعمل بها فالإثم يزيد عليه بالامتثال بما لا يوجد لو لم يمتثل وقيل