وأخرج ذلك أيضا عن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه أتى ابن الزبير وهو في الحجر فقال يا ابن الزبير إياك والإلحاد في الحرم فإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وذكر نحو ما مر وعليه فتكون الصغائر في غير مكة كبائر فيها بمعنى شدة عقابها المترتب عليها من حيث المحل لا من حيث ذواتها وحينئذ فليست كبائر موجبة للفسق والقدح في العدالة لأن ذلك لا يمكن القول بعمومه
وإلا لم يكن بأهل الحرم عدل لتعذر الصون عن محقرات الذنوب وصغائرها وللإجماع قديما وحديثا على عدالتهم مع العلم بارتكابهم الصغائر إذ لا عصمة ولا حفظ بالكلية فتعين تأويل عد ذلك كبيرة على ما ذكرته لأن من عده كبيرة لا يمكن أن يريد به فعل كبيرة بالحرم لأن هذا فسق وكبيرة في غير الحرم فأي مزية للحرم حينئذ وإنما مراده أن الصغائر بغير مكة كبائر فيها وهذا مستحيل الظاهر لما علمت فتعين تأويله
فإن قلت كيف وحد الكبيرة بأنها ما جاء فيها وعيد شديد يشمل الصغيرة المفعولة في الحرم قلت لا يبعد حمل الحد أيضا على ما يترتب الوعيد على قبحه من حيث ذاته لا من حيث شرف محله
والذي اضطرنا إلى ذلك ما ذكرناه فوجب المصير إلى التأويل
ومما يعلمك بشدة قبح المعصية ثم وتعجيل عقابها ولو صغيرة أن بعض الطائفين نظر إلى أمرد أو امرأة فسالت عينه على خده وبعضهم وضع يده على يد امرأة فالتصقتا وعجز الناس عن فكهما حتى دلهم بعض العلماء أنهما لا يرجعان إلى معصيتهما ويبتهلان إلى الله ويصدقان في التوبة ففعلا ذلك ففرج عنهما
وقصة إساف ونائلة مشهورة وهي أنهما زنيا فمسخهما الله حجرين ولا يغرنك أنك ترى من يعصي ثم ينظر أو غيره ولا يعاجل بالعقوبة لأن العاقل لا ينبغي له أن يغرر بنفسه وليس المغر لنفسه بمحمود وإن سلم وربما عجل الله لك العقوبة دون غيرك فإنه لا حجر عليه تعالى على أن تعجيل العقوبة قد يكون بما هو أشنع وأقبح وهو مسخ القلب وبعده عن حضرة الحق وغوايته بعد هدايته وإعراضه بعد إقباله
وقد وقع لبعض من نعرفه وكان على هيئة جميلة وفضل تام وتصون بالغ أنه زل فقبل امرأة عند الحجر على ما حكي لكن ظهرت آثار صدق تلك الحكاية فمسخ مسخا كليا
وصار بأرث هيئة وأقبح منظر وأفظع حالة بدنا ودنيا وعقلا وكلاما فنعوذ بالله سبحانه وتعالى من الزلات ونسأله سبحانه وتعالى أن يعصمنا من الفتن إلى الممات إنه أكرم كريم وأرحم رحيم
وبلغني عن بعض من أعرف أيضا أنه وقعت منه هنات بالمسجد الحرام