في السرقة وكأنهم نظروا إلى ما ذكرته وبما قررته من الفرق الظاهر بين هذا والغصب يندفع جزم بعض المتأخرين بأن التطفيف بالشيء التافه صغيرة إلا أن يقال المنازعة في الغصب إنما هي في التحديد برفع دينار
وأما غصب الشيء التافه الذي يسامح به أكثر الناس فينبغي أن يكون صغيرة وكذلك التطفيف بالشيء التافه الذي يسامح به أكثر الناس ينبغي أن يكون صغيرة أيضا فهذا غير بعيد لكن ظاهر كلام الأكثرين أنه لا فرق
ومن ثم حكى ابن عبد السلام أن غصب الحبة وسرقتها كبيرة بالإجماع وكأنه أخذ ذلك من إطلاق الأكثرين الذي أشرت إليه ويأتي لذلك مزيد في الغصب فراجعه
قال مالك بن دينار رضي الله عنه دخلت على جار لي وقد نزل به الموت فجعل يقول جبلين من نار جبلين من نار
قال قلت له ما تقول قال يا أبا يحيى كان لي مكيالان كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر
قال مالك فقمت فجعلت أضرب أحدهما بالآخر
فقال يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازداد الأمر عظما وشدة فمات في مرضه
وقال بعض السلف أشهد على كل كيال أو وزان بالنار لأنه لا يكاد يسلم إلا من عصم الله
وقال بعضهم دخلت على مريض قد نزل به الموت فجلعت ألقنه الشهادة ولسانه لا ينطق بها فلما أفاق قلت له يا أخي مالي ألقنك الشهادة ولسانك لا ينطق بها قال يا أخي لسان الميزان على لساني يمنعني من النطق بها فقلت له بالله أكنت تزن ناقصا فقال لا والله ولكني كنت أقف مدة لا أعتبر صنجة ميزاني فإذا كان هذا حال من لا يعتبر صنجة ميزانه فكيف حال من يزن ناقصا
وقال نافع كان ابن عمر رضي الله عنهما يمر بالبائع يقول اتق الله وأوف الكيل والوزن فإن المطففين يوقفون حتى إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم
وكالكيالين والوزانين فيما مر التاجر إذا شد يده في الذراع وقت البيع وأرخاها وقت الشراء وهذا من تطفيف فسقة البزازين والتجار
وما أحسن قول من قال الويل ثم الويل لمن يبيع بحبة ينقصها جنة عرضها السموات والأرض ويشتري بحبة يزيدها واديا في جهنم يذيب جبال الدنيا وما فيها