والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد فظاهره أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض إلا ما شاء الله من هذه المدة فلا يكونون فيه خالدين فيها وقد أوله العلماء بنحو عشرين وجها يرجع بعضها إلى حكمة التقييد بمدة دوام السموات والأرض وبعضها إلى حكمة الاستثناء ومعناه
فمن الأول أن المراد سموات الجنة وأرضها إذ السماء كل ما علاك والأرض كل ما استقريت عليه وكون الجنة والنار لهما سماء وأرض بهذا الاعتبار أمر قطعي لا يخفى على أحد فاندفع التنظير في هذا القول بأنه لا يجوز حمل ما في الآية عليه لأنه غير معروف للمخاطبين أو سموات الدنيا وأرضها وأجري ذلك على عادات العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده بذلك ونحوه كقولهم لا آتيك ما دامت السموات والأرض أو ما جن ليل وسال سيل أو ما اختلف الليل والنهار أو ما طما البحر أو ما قام الجبل لأنه تعالى يخاطب العرب على عرفهم في كلامهم
وهذه الألفاظ في عرفهم تفيد الأبد والدوام وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش وأن السموات والأرض في الآخرة يردان إلى النور الذي خلقا منه وهما دائمان أبدا من نور العرش ثم هذا الجواب إنما يحتاج إليه بناء على أن مفهوم التقييد بدوام السموات والأرض أنهم لا يبقون في النار إلا بقدر مدة دوامهما من حين إيجادهما إلى إعدامهما ومنع بعضهم ذلك بأن المفهوم من الآية أنهما متى كانتا دائمتين كان كونهما في النار باقيا وقضية ذلك أنه كلما حصل الشرط وهو دوامهما حصل المشروط وهو بقاؤهم في النار ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط ونظيره أنك إذا قلت إن كان هذا إنسانا فهو حيوان ثم قلت لكنه إنسان أنتج أنه حيوان أو لكنه ليس هذا بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان لأن استثناء نقيض المقدم عقيم فكذا هنا إذا قلنا ما دامتا بقي عقابهم ثم قلنا لكنهما دائمتان لزم دوام عقابهم
أو لكنهما ما بقيتا لم يلزم عدم دوام عقابهم
لا يقال إذا دام عقابهم بقيتا أو عدمتا فلا فائدة للتقييد بدوامهما
لأنا نقول بل فيه أعظم الفوائد وهو دلالته على بقاء ذلك العذاب دهرا دائما طويلا لا يحيط العقل بقدر طوله وامتداده فأما أنه هل لذلك العذاب آخر أم لا فذلك يحصل من أدلة أخرى وهو الآيات المصرحة بتأبيد خلودهم المستلزم أنه لا آخر له
ومن الثاني أنه استثناء من فيها لأنهم يخرجون من النار إلى الزمهرير وإلى شرب الحميم ثم يعودون فيها فهم خالدون فيها أبدا إلا في تلك الأوقات فإنها وإن كانت أوقات عذاب أيضا إلا أنهم ليسوا حينئذ فيها حقيقة أو أن ما لمن يعقل ك فانكحوا ما طاب لكم من النساء فحينئذ فيكون استثناء لعصاة المؤمنين من ضمير خالدين متصلا بناء على شمول شقوا لهم أو منقطعا بناء على عدم شموله لهم وهو