فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 990

والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد فظاهره أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض إلا ما شاء الله من هذه المدة فلا يكونون فيه خالدين فيها وقد أوله العلماء بنحو عشرين وجها يرجع بعضها إلى حكمة التقييد بمدة دوام السموات والأرض وبعضها إلى حكمة الاستثناء ومعناه

فمن الأول أن المراد سموات الجنة وأرضها إذ السماء كل ما علاك والأرض كل ما استقريت عليه وكون الجنة والنار لهما سماء وأرض بهذا الاعتبار أمر قطعي لا يخفى على أحد فاندفع التنظير في هذا القول بأنه لا يجوز حمل ما في الآية عليه لأنه غير معروف للمخاطبين أو سموات الدنيا وأرضها وأجري ذلك على عادات العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده بذلك ونحوه كقولهم لا آتيك ما دامت السموات والأرض أو ما جن ليل وسال سيل أو ما اختلف الليل والنهار أو ما طما البحر أو ما قام الجبل لأنه تعالى يخاطب العرب على عرفهم في كلامهم

وهذه الألفاظ في عرفهم تفيد الأبد والدوام وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش وأن السموات والأرض في الآخرة يردان إلى النور الذي خلقا منه وهما دائمان أبدا من نور العرش ثم هذا الجواب إنما يحتاج إليه بناء على أن مفهوم التقييد بدوام السموات والأرض أنهم لا يبقون في النار إلا بقدر مدة دوامهما من حين إيجادهما إلى إعدامهما ومنع بعضهم ذلك بأن المفهوم من الآية أنهما متى كانتا دائمتين كان كونهما في النار باقيا وقضية ذلك أنه كلما حصل الشرط وهو دوامهما حصل المشروط وهو بقاؤهم في النار ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط ونظيره أنك إذا قلت إن كان هذا إنسانا فهو حيوان ثم قلت لكنه إنسان أنتج أنه حيوان أو لكنه ليس هذا بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان لأن استثناء نقيض المقدم عقيم فكذا هنا إذا قلنا ما دامتا بقي عقابهم ثم قلنا لكنهما دائمتان لزم دوام عقابهم

أو لكنهما ما بقيتا لم يلزم عدم دوام عقابهم

لا يقال إذا دام عقابهم بقيتا أو عدمتا فلا فائدة للتقييد بدوامهما

لأنا نقول بل فيه أعظم الفوائد وهو دلالته على بقاء ذلك العذاب دهرا دائما طويلا لا يحيط العقل بقدر طوله وامتداده فأما أنه هل لذلك العذاب آخر أم لا فذلك يحصل من أدلة أخرى وهو الآيات المصرحة بتأبيد خلودهم المستلزم أنه لا آخر له

ومن الثاني أنه استثناء من فيها لأنهم يخرجون من النار إلى الزمهرير وإلى شرب الحميم ثم يعودون فيها فهم خالدون فيها أبدا إلا في تلك الأوقات فإنها وإن كانت أوقات عذاب أيضا إلا أنهم ليسوا حينئذ فيها حقيقة أو أن ما لمن يعقل ك فانكحوا ما طاب لكم من النساء فحينئذ فيكون استثناء لعصاة المؤمنين من ضمير خالدين متصلا بناء على شمول شقوا لهم أو منقطعا بناء على عدم شموله لهم وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت