ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك أراهم الله تعالى ما يدفع دعواهم فركب في هاروت وماروت منهم شهوة وأنزلهما حاكمين في الأرض فافتتنا بالزهرة مثلت لهما من أجمل النساء فلما وقعا بها خيرا بين عذابي الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدنيا فهما يعذبان إلى يوم القيامة
ونازع جماعة في أصل ثبوت هذه القصة وليس كما زعموا لورود الحديث بل صحته بها وسيأتي لفظه في مبحث الخمر ومن جملته أنها لما مثلت لهما وراوداها عن نفسها أمرتهما بالشرك فامتنعا ثم بالقتل فامتنعا ثم بشرب الخمر فشرباها ثم وقعا بها وقتلا ثم أخبرتهما بما فعلتاه فخيرا كما ذكر
ومن المنازعين الفخر قال هذه القصة رواية فاسدة مردودة ليس في كتاب الله ما يدل عليها بل فيه ما يبطلها من وجوه الأول عصمة الملائكة من كل ذنب
ويجاب بأن محل العصمة ما داموا بوصف الملائكة أما إذا انتقلوا إلى وصف الإنسان فلا
على أنه يعلم من الحديث المذكور أن ما وقع لهما إنما هو من باب التمثيل لا الحقيقة لأن الزهرة تمثلت لهما امرأة وفعلت بهما ما مر دفعا لقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك كما يأتي ذكر ذلك في الحديث المذكور
الثاني زعم أنهما خيرا بين العذابين فاسد بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب لأن الله خير بينهما من أشرك طوال عمره فهذان أولى
ويجاب بأن ذلك إنما فعل تغليظا في العقوبة عليهما ولا يقاسان بمن أشرك لأن الأمور التوقيعية لا مجال فيها
الثالث من أعجب الأمور أنهما يعلمان الناس السحر في حال كونهما يعذبان ويدعوان إليه وهما يعاقبان ويجاب بأنه لا عجب في ذلك
إذ لا مانع أن العذاب يفتر عنهما في ساعات فيعلمان فيها لأنهما أنزلا فتنة عليهما لما وقع لهما مما ذكر وعلى الناس لتعلمهم منهما السحر
قال بعضهم والحكمة في إنزالهما أمور أحدها أن السحرة كثرت في ذلك الزمن واستنبطت أنواعا عجيبة غريبة في النبوة وكانوا يدعونها ويتحدون الناس بها فأنزل الله الملكين ليعلما الناس السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك السحرة المدعين للنبوة كذبا وهذا غرض ظاهر
ثانيها أن العلم بأن المعجز مخالف للسحر يتوقف على علم ماهيتهما والناس كانوا جاهلين ماهية السحر فتعذرت عليهم معرفة حقيقة السحر فبعث الله هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض