فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 990

الجهل وأدائه إلى أعلى أنواع المقت ويليهم المراءون بالنوافل كأن يعتاد ذلك فيها وحدها خوف الاستنقاص بعدم فعلها في الملإ وإيثارا للكسل وعدم الرغبة في ثوابها في الخلوة ويليهم المراءون بأوصاف العبادات كتحسينها وإطالة أركانها وإظهار التخشع فيها واستكمال سائر مكملاتها في الملإ والاقتصار في الخلوة على أدنى واجباتها خوف إيثار ما ذكر في النوافل فهذا محظور أيضا لأن فيه كالذي قبله تقديم المخلوق على الخالق وقد يكيد الشيطان فاعله فيزين له أنه إنما يفعل ذلك صيانة لهم عن الوقوع فيه ولو صدق لصان نفسه عن فوات تلك الكمالات بما يفعله في خلواته فدلت قرائن أحواله على أن باعث ذلك ليس إلا النظر إلى الخلق رجاء محمدتهم لا صيانتهم

وللمرائي لأجله درجات أيضا فأقبحها أن يقصد التمكن من معصية كمن يظهر الورع والزهد حتى يعرف به فيولى المناصب والوصايا وتودع عنده الأموال أو يفوض إليه تفرقة الصدقات وقصده بكل ذلك الخيانة فيه وكمن يذكر أو يعظ أو يعلم أو يتعلم للظفر بامرأة أو غلام ثم فهؤلاء أقبح المرائين عند الله تعالى لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى معصيته ووصلة إلى فسقهم وتسوء عاقبتهم

ويليها من يتهم بمعصية أو خيانة فيظهر الطاعة والصدقة قصدا لدفع تلك التهمة

ويليها أن يقصد نيل حظ مباح من نحو مال أو نكاح أو غيرهما من حظوظ الدنيا

ويليها أن يقصد بإظهار عبادته وورعه وتخشعه ونحو ذلك أن لا يحتقر وينظر إليه بعين النقص أو أن يعد من جملة الصالحين وفي الخلوة لا يفعل شيئا من ذلك ومن ذلك أن يترك إظهار النظر في يوم يسن صومه خشية أن يظن به أنه لا اعتناء له بالنوافل فهذه أصول درجات الرياء ومراتب أصناف المرائين

قال الغزالي وجميعهم تحت مقت الله تعالى وغضبه وهو من أشد المهلكات

ومنها مر في الخبر أن من الرياء ما هو أخفى من دبيب النمل

وهذا هو الذي يزل فيه فحول العلماء فضلا عن العباد الجهلاء بآفات النفوس وغوائل القلوب

وبيانه أن الرياء إما جلي وهو ما يحمل على العمل ويبعث عليه

وإما خفي وهو ما لا يحمل عليه لكنه يخفف مشقته كمن يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه لكنه إذا نزل به ضيف أو اطلع عليه أحد نشط له وخفف عليه ومع ذلك هو إنما يعمل لله ولولا رجاء الثواب لما صلى

وأمارة ذلك أنه يتهجد وإن لم يطلع عليه أحد وأخفى من هذا ما لا يحمل على تسهيل وتخفيف ومع ذلك عنده رياء كامن في قلبه ككمون النار في الحجر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بالعلامات وأجلى علاماته أنه يسره اطلاع الناس على طاعته وعبادته فرب عبد مخلص في عمله يكره الرياء ويذمه فلا يكون عنده منه شيء يحمل على العمل ابتداء ولا دواما ولكنه إذا اطلع الناس عليه سره ذلك وارتاح له وروح ذلك عن قلبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت