فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 990

شدة العبادة عليه وهذا السرور يدل على رياء خفي إذ لولا التفات القلب للناس لما ظهر سروره عند اطلاعهم فاطلاعهم مع عدم كراهته له حرك ما كان ساكنا وصار غذاء للعرق الخفي من الرياء وحينئذ يحمل على تكلف سبب الاطلاع عليه ولو بالتعريض أو نحوه كإظهار النحول وخفض الصوت ويبس الشفتين وغلبة النعاس الدال على طول التهجد

وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الاطلاع عليه ولا يسره ولكنه يحب أن يبدأ بالسلام والتعظيم وأن يقابل بمزيد الثناء والمبادرة إلى حوائجه وأن يسامح في معاملته وأن يوسع له المكان إذا أقبل ومتى قصر أحد في ذلك ثقل على قلبه لعظمة طاعته التي أخفاها عند نفسه فكأن نفسه تطلب أن يحترم في مقابلتها حتى لو فرض أنها لم تفعل تلك الطاعات لما كانت تطلب ذلك الاحترام ومهما لم يكن وجود الطاعة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله تعالى ولم يكن خاليا عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل

قال الغزالي وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر ولا يسلم منه إلا الصديقون

وعن علي كرم الله وجهه أنه قال إن الله عز وجل يقول للقراء يوم القيامة ألم يكن يرخص عليكم السعر ألم تكونوا تبدءون بالسلام ألم تكن تقضى لكم الحوائج وفي الحديث لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم ومن ثم لم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي يشهدون ذلك في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة يحرصون على إخفائها أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم

كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم فيجازيهم الله في القيامة على ملإ من الخلائق إذ علموا أن الله تعالى لا يقبل في القيامة إلا الخالص وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في القيامة وأن لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ولا يجزي والد عن ولده ولا مولود عن والده ويشتغل الصديقون بأنفسهم فيقول كل واحد منهم نفسي نفسي فضلا عن غيرهم وكل من وجد في نفسه فرقا بين اطلاع الصغار والمجانين واطلاع غيرهم على عباداته فعنده شوب من الرياء

إذ لو علم أن الله هو النافع الضار القادر على كل شيء وغيره هو العاجز عن كل شيء لاستوى عنده الصغار وغيرهم ولم تتأثر نفسه بحضور كبيرهم ولا صغيرهم وليس كل شوب من الرياء مفسدا للعمل ومحبطا له بل السرور إما محمود بأن يشهد أن الله أطلعهم عليه إظهارا لجميل أحواله ولطفه به فإنه في نفسه يستر طاعته ومعصيته ثم الله تعالى يستر معصيته ويظهر طاعته ولا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل فيكون فرحه بجميل نظر الله ولطفه به لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا

أو يشهد أنه لما ستر قبيحه وأظهر جميله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت