فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 990

في الدنيا فكذلك يفعل معه في الآخرة

لخبر ما ستر الله على عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة أو بأن يظن رغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة فيتضاعف بذلك أجره فيكون له أجر العلانية بما ظهر آخرا وأجر السر بما قصده أولا إذ من اقتدي به في طاعة له مثل أجر المقتدين به من غير أن ينقص من أجورهم شيء وتوقع ذلك جدير بأن ينشأ عنه السرور فإن ظهور مخايل الربح لذيذ يوجب السرور لا محالة أو بأن يفرح بكونه تعالى وفقه إلى سبب يحمدونه عليه ويحبونه لأجله ولم يجعلهم كجماعة آخرين مذنبين يهزئون بالمطيعين ويؤذونهم وعلامة هذا الفرح أن يكون فرحه بحمدهم غيره كفرحه بحمدهم له

وإما مذموم وهو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوبهم حتى يعظموه ويكرموه ويقوموا له بقضاء حوائجه وهذا مكروه وبما تقرر علم أن في كتم العمل فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء وفي إظهاره فائدة الاقتداء وترغيب الناس في الخير ولكن فيه آفة الرياء وقد أثنى الله على القسمين فقال عز قائلا إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم لكنه مدح الإسرار لسلامته من تلك الآفة العظيمة التي قل من يسلم منها

وقد يمدح الإظهار فيما يتعذر الإسرار فيه كالغزو والحج والجمعة والجماعة فالإظهار المبادرة إليه وإظهار الرغبة فيه للتحريض بشرط أن لا يكون فيه شائبة رياء

والحاصل أنه متى خلص العمل من تلك الشوائب ولم يكن في إظهاره إيذاء لأحد فإن كان فيه حمل للناس على الاقتداء والتأسي به في فعله ذلك الخير والمبادرة إليه لكونه من العلماء أو الصلحاء الذين تبادر الكافة إلى الاقتداء بهم فالإظهار أفضل لأنه مقام الأنبياء ووراثهم ولا يخصون إلا بالأكمل ولأن نفعه متعد ولقوله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها إلى يوم القيامة وإن اختل شرط من ذلك فالإسرار أفضل

وعلى هذا التفصيل يحمل إطلاق من أطلق أفضلية الإسرار

نعم مرتبة الإظهار الفاضل مزلة قدم للعباد والعلماء فإنهم يتشبهون بالأقوياء في الإظهار ولا تقوى قلوبهم على الإخلاص فتحبط أجورهم بالرياء والتفطن لذلك غامض وعلامة الحق فيه أن من قام به مع علمه من نفسه أن غيره لو قام به مثله من أقرانه لم يتأثر به كان مخلصا وإن لم يعلم من نفسه ذلك كان مرائيا إذ لولا ملاحظة نظره للخلق لما آثر نفسه على غيره مع علمه بكفاية غيره فليحذر العبد خدع النفس فإنها خدوع والشيطان مترصد وحب الجاه على القلب غالب وقلما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات والأخطار

فالسلامة الإخفاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت