في الدنيا فكذلك يفعل معه في الآخرة
لخبر ما ستر الله على عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة أو بأن يظن رغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة فيتضاعف بذلك أجره فيكون له أجر العلانية بما ظهر آخرا وأجر السر بما قصده أولا إذ من اقتدي به في طاعة له مثل أجر المقتدين به من غير أن ينقص من أجورهم شيء وتوقع ذلك جدير بأن ينشأ عنه السرور فإن ظهور مخايل الربح لذيذ يوجب السرور لا محالة أو بأن يفرح بكونه تعالى وفقه إلى سبب يحمدونه عليه ويحبونه لأجله ولم يجعلهم كجماعة آخرين مذنبين يهزئون بالمطيعين ويؤذونهم وعلامة هذا الفرح أن يكون فرحه بحمدهم غيره كفرحه بحمدهم له
وإما مذموم وهو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوبهم حتى يعظموه ويكرموه ويقوموا له بقضاء حوائجه وهذا مكروه وبما تقرر علم أن في كتم العمل فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء وفي إظهاره فائدة الاقتداء وترغيب الناس في الخير ولكن فيه آفة الرياء وقد أثنى الله على القسمين فقال عز قائلا إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم لكنه مدح الإسرار لسلامته من تلك الآفة العظيمة التي قل من يسلم منها
وقد يمدح الإظهار فيما يتعذر الإسرار فيه كالغزو والحج والجمعة والجماعة فالإظهار المبادرة إليه وإظهار الرغبة فيه للتحريض بشرط أن لا يكون فيه شائبة رياء
والحاصل أنه متى خلص العمل من تلك الشوائب ولم يكن في إظهاره إيذاء لأحد فإن كان فيه حمل للناس على الاقتداء والتأسي به في فعله ذلك الخير والمبادرة إليه لكونه من العلماء أو الصلحاء الذين تبادر الكافة إلى الاقتداء بهم فالإظهار أفضل لأنه مقام الأنبياء ووراثهم ولا يخصون إلا بالأكمل ولأن نفعه متعد ولقوله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها إلى يوم القيامة وإن اختل شرط من ذلك فالإسرار أفضل
وعلى هذا التفصيل يحمل إطلاق من أطلق أفضلية الإسرار
نعم مرتبة الإظهار الفاضل مزلة قدم للعباد والعلماء فإنهم يتشبهون بالأقوياء في الإظهار ولا تقوى قلوبهم على الإخلاص فتحبط أجورهم بالرياء والتفطن لذلك غامض وعلامة الحق فيه أن من قام به مع علمه من نفسه أن غيره لو قام به مثله من أقرانه لم يتأثر به كان مخلصا وإن لم يعلم من نفسه ذلك كان مرائيا إذ لولا ملاحظة نظره للخلق لما آثر نفسه على غيره مع علمه بكفاية غيره فليحذر العبد خدع النفس فإنها خدوع والشيطان مترصد وحب الجاه على القلب غالب وقلما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات والأخطار
فالسلامة الإخفاء