ومن الإظهار التحدث بالعمل بعد فراغه بل هذا أشد خطرا من جهة أنه قد يجري على اللسان زيادة أو مبالغة وللنفس لذة في إظهار الدعاوى وأهون من جهة أن الرياء به لا يحبط ما مضى خالصا
واعلم أن كثيرين ربما يتركون الطاعات خوف الرياء وليس ذلك بمحمود مطلقا فإن الأعمال إما لازمة للبدن لا تتعلق بالغير ولا لذة في عينها كالصلاة والصوم والحج فإن كان باعث الابتداء فيها رؤية الناس وحدها فهذا محض معصية فيجب تركه ولا رخصة فيها على هذه الكيفية وإن كان الباعث نية التقرب إلى الله تعالى لكن عرض الرياء عند عقدها شرع فيها وجاهد نفسه في دفع ذلك العارض وكذا لو عرض في أثنائها فيرد نفسه للإخلاص قهرا حتى يتمها فإن الشيطان يدعوك أولا إلى الترك فإذا عصيته وعزمت وشرعت دعاك للرياء فإذا أعرضت عنه وجاهدته إلى أن فرغت ندمك حينئذ وقال لك أنت مراء ولا ينفعك الله بهذا العمل شيئا حتى تترك العود إلى مثل ذلك العمل فيحصل غرضه منك فكن منه على حذر فإنه لا أمكر منه وألزم قلبك الحياء من الله تعالى إذ أوجد فيك باعثا دينيا على العمل فلم تتركه بل جاهدت نفسك في الإخلاص فيه ولم تغتر بمكائد عدوك وعدو أبيك آدم صلى الله عليه وسلم
وإما متعلقة بالخلق وهذه تعظم فيها الآفات والأخطار فأعظمها الخلافة ثم القضاء ثم التذكير والتدريس والإفتاء ثم إنفاق المال فمن لا تستميله الدنيا ولا يستفزه الطمع ولا تأخذه في الله لومة لائم وأعرض عن الدنيا وأهلها جملة ولا يتحرك إلا للحق ولا يسكن إلا له هو الذي يستحق أن يكون من أهل الولايات الدنيوية والأخروية ومن فقد فيه شرط من ذلك فالولايات بأقسامها المذكورة عليه ضرر أي ضرر فليمسك عنها ولا يغتر فإن نفسه تسول له العدل فيها والقيام بحقوقها وعدم الميل إلى شوائب الرياء والطمع فإنها كاذبة في ذلك فليحذر منها فإنه لا ألذ عندها من الجاه والولايات فربما حملتها محبة ذلك على هلاكها
ومن ثم استأذن رجل عمر رضي الله عنه أن يعظ الناس إذا فرغ من صلاة الصبح فمنعه فقال تمنعني من نصح الناس فقال أخشى أن ننتفخ حتى تبلغ الثريا فينبغي أن لا يغتر الإنسان بما جاء في فضائل التذكير بالله والعلم لأن خطره عظيم ولسنا نأمر أحدا بتركه إذ ليس فيه نفسه آفة إنما الآفة في إظهاره بالتصدي له وعظا وإقراء وإفتاء ورواية ولا يترك التصدي له ما دام يجد في نفسه باعثا دينيا وإن مزج بشيء من رياء بل نأمره به مع مجاهدة نفسه على الإخلاص والتنزه عن خطرات الرياء فضلا عن شوائبه
فالأمور ثلاثة الولايات وهي أعظمها آفة فليتركها الضعفاء رأسا والصلوات ونحوها