فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 990

ومن الإظهار التحدث بالعمل بعد فراغه بل هذا أشد خطرا من جهة أنه قد يجري على اللسان زيادة أو مبالغة وللنفس لذة في إظهار الدعاوى وأهون من جهة أن الرياء به لا يحبط ما مضى خالصا

واعلم أن كثيرين ربما يتركون الطاعات خوف الرياء وليس ذلك بمحمود مطلقا فإن الأعمال إما لازمة للبدن لا تتعلق بالغير ولا لذة في عينها كالصلاة والصوم والحج فإن كان باعث الابتداء فيها رؤية الناس وحدها فهذا محض معصية فيجب تركه ولا رخصة فيها على هذه الكيفية وإن كان الباعث نية التقرب إلى الله تعالى لكن عرض الرياء عند عقدها شرع فيها وجاهد نفسه في دفع ذلك العارض وكذا لو عرض في أثنائها فيرد نفسه للإخلاص قهرا حتى يتمها فإن الشيطان يدعوك أولا إلى الترك فإذا عصيته وعزمت وشرعت دعاك للرياء فإذا أعرضت عنه وجاهدته إلى أن فرغت ندمك حينئذ وقال لك أنت مراء ولا ينفعك الله بهذا العمل شيئا حتى تترك العود إلى مثل ذلك العمل فيحصل غرضه منك فكن منه على حذر فإنه لا أمكر منه وألزم قلبك الحياء من الله تعالى إذ أوجد فيك باعثا دينيا على العمل فلم تتركه بل جاهدت نفسك في الإخلاص فيه ولم تغتر بمكائد عدوك وعدو أبيك آدم صلى الله عليه وسلم

وإما متعلقة بالخلق وهذه تعظم فيها الآفات والأخطار فأعظمها الخلافة ثم القضاء ثم التذكير والتدريس والإفتاء ثم إنفاق المال فمن لا تستميله الدنيا ولا يستفزه الطمع ولا تأخذه في الله لومة لائم وأعرض عن الدنيا وأهلها جملة ولا يتحرك إلا للحق ولا يسكن إلا له هو الذي يستحق أن يكون من أهل الولايات الدنيوية والأخروية ومن فقد فيه شرط من ذلك فالولايات بأقسامها المذكورة عليه ضرر أي ضرر فليمسك عنها ولا يغتر فإن نفسه تسول له العدل فيها والقيام بحقوقها وعدم الميل إلى شوائب الرياء والطمع فإنها كاذبة في ذلك فليحذر منها فإنه لا ألذ عندها من الجاه والولايات فربما حملتها محبة ذلك على هلاكها

ومن ثم استأذن رجل عمر رضي الله عنه أن يعظ الناس إذا فرغ من صلاة الصبح فمنعه فقال تمنعني من نصح الناس فقال أخشى أن ننتفخ حتى تبلغ الثريا فينبغي أن لا يغتر الإنسان بما جاء في فضائل التذكير بالله والعلم لأن خطره عظيم ولسنا نأمر أحدا بتركه إذ ليس فيه نفسه آفة إنما الآفة في إظهاره بالتصدي له وعظا وإقراء وإفتاء ورواية ولا يترك التصدي له ما دام يجد في نفسه باعثا دينيا وإن مزج بشيء من رياء بل نأمره به مع مجاهدة نفسه على الإخلاص والتنزه عن خطرات الرياء فضلا عن شوائبه

فالأمور ثلاثة الولايات وهي أعظمها آفة فليتركها الضعفاء رأسا والصلوات ونحوها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت