فلا ينبغي أن يتركها الضعفاء ولا الأقوياء ولكن يجاهدون في دفع شوائب الرياء عنها والتصدي للعلوم وهي مرتبة وسطى بين تينك المرتبتين لكنها بالولايات أشبه وإلى الآفات أقرب فالحذر منها في حق الضعيف أسلم
وبقيت مرتبة رابعة وهي جمع المال وإنفاقه فمن العلماء من فضله على الاشتغال بالذكر والنوافل ومنهم من عكس والحق أن فيه آفات عظيمة كطلب الثناء واستجلاب القلوب وتميز النفس بالإعطاء فمن خلص من تلك الآفات فالجمع والإنفاق له أفضل لما فيه من وصل المنقطعين وكفاية المستحقين والتقرب ببرهم إلى رب العالمين ومن لم يخلص منها فالأولى له ملازمة العبادات واستفراغ الوسع فيما لها من الأدب والمكملات
ومن علامات إخلاص العالم في علمه أنه لو ظهر من هو أحسن منه وعظا وأغزر منه علما والناس له أشد قبولا فرح به ولم يحسده نعم لا بأس بالغبطة وهو أن يتمنى لنفسه مثل علمه وأنه لو حضر الأكابر مجلسه لم يتغير كلامه بل يكون ناظرا للخلق كلهم بعين واحدة وأن لا يحب اتباع الناس له في الطرقات
ومنها قد بان لك بما سبق من الآيات والأحاديث وكلام الأئمة أن الرياء محبط للأعمال وسبب للمقت عند الله واللعن والطرد وأنه من كبائر المهلكات
وما هذا وصفه فجدير بأن يشمر كل موفق عن ساق الجد في إزالته بالمجاهدة وتحمل المشاق الشديدة والمكابدة لقوة الشهوات إذ لا ينفك أحد عن الاحتياج لذلك إلا من رزق قلبا سليما نقيا خالصا عن شوائب ملاحظة الأغراض والمخلوقين ومستغرقا دائما في شهود رب العالمين وقليل ما هم
وإلا فغالب الخلق إنما طبع عليه إذ الصبي يخلق ضعيف العقل ممتد العين للخلق كثير الطمع فيهم فيرى بعضهم يتصنع لبعض فيغلب عليه حب التصنع بالضرورة ويترسخ ذلك في نفسه فإذا كمل عقله ووفق لاتباع الحق رأى ذلك مرضا مهلكا فاحتاج إلى دواء يزيله ويقطع عروقه باستئصال أصوله من حب لذة المحمدة والجاه والطمع فيما بأيدي الناس وذلك الدواء النافع هو أن يعرض عن رغبته في كل ذلك لما فيه من المضرة وفوات صلاح القلب وحرمان التوفيق في الحال والمنزلة الرفيعة في الآخرة والعقاب العظيم والمقت الشديد والخزي الظاهر حيث ينادى على رءوس الخلائق ويقال للمرائي يا فاجر يا غادر يا مرائي أما استحييت إذا اشتريت بطاعة الله تعالى عرض الحياة الدنيا راقبت قلوب العباد واستهزأت بنظر الله تعالى وطاعته وتحببت إلى العباد بالتبغيض إلى الله تعالى وتزينت لهم بالشين عند الله تعالى وتقربت إليهم بالبعد من الله تعالى
ولو لم يكن في الرياء إلا إحباط عبادة واحدة لكفى في شؤمه وضرره فقد يحتاج الإنسان في الآخرة إلى عبادة ترجح بها كفة حسناته