إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فقال اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانا شافيا فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون
وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر انتهينا يا رب
قال الفخر الرازي والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيرا فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فلا جرم درجهم في التحريم رفقا بهم ومن الناس من قال إن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية أي آية البقرة ثم نزل قوله لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فاقتضى تحريم شربها أيضا لأن شاربها تتعذر عليه الصلاة مع السكر فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم
قال أنس رضي الله عنه حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها وما حرم عليهم شيء أشد منها وقال ما كان لنا خمر غير فضيخكم فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذا جاء رجل فقال حرمت الخمر قالوا أهرق هذه القلال يا أنس قال فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل
والميسر القمار وسيأتي الكلام عليه في مبحثه باب الشهادات في قوله تعالى فيهما أي تعاطيهما إثم كبير أي بالموحدة والمثلثة والإثم يوصف بالكبر مبالغة في تعظيم الذنب ومنه إنه كان حوبا كبيرا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وشرب الخمر والقمار من الكبائر فناسب وصف إثمهما بذلك وقد اتفقت السبعة في أكبر من نفعهما على أنه بالموحدة
ووجه قراءة الأخوين كثير بالمثلثة أنه باعتبار الآثمين من الشاربين والمقامرين أو باعتبار ما يترتب على تعاطيهما من توالي العقاب وتضعيفه أو باعتبار ما يترتب على شربها واللعب به من الأقوال السيئة والأفعال القبيحة أو باعتبار من تداولها من لدن كانت عنبا إلى أن شربت فقد لعن صلى الله عليه وسلم الخمر ولعن معها عشرة كما سيأتي فناسب ذلك أو باعتبار أن الإثم مقابل لمنافع وهو جمع فناسب وصف مقابله بمعنى الجمعية وهو الكثرة فاتضحت القراءتان بل مآلهما إلى شيء واحد لأن الكبير كثير وعكسه كما أن الصغير حقير ويسير
ومما يجب على المتكلم في توجيه القراءات أن يوجه كلا من غير تعرض لتضعيف قراءة