= كما رويت بعض الآثار عن الصحابة والتابعين تحكي إحجامهم عن تفسير آي القرآن الكريم.
كقول الشعبي: ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأي (تفسير الطبري 1/ 87) .
وعن عمرو بن مرة، قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل مَن يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه - يعني: عكرمة - (تفسير الطبري 1/ 87) ؛ وتفسير ابن كثير (1/ 6) .
وقال أبو يزيد: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام - وكان أعلم الناس - فإذا سألنا عن تفسير آية من القرآن، سكت، كأنه لم يسمع. (تفسير الطبري 1/ 86) .
وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليغلظون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد المسيب، ونافع. (تفسير الطبري 1/ 85) ؛ وتفسير ابن كثير (1/ 6) .
وعن مسروق: اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله.
وكان الأصمعي - على علمه باللغة - شديد التحرز في تفسير القرآن والسنة، فإذا سئل عن شيء منهما، قال: العرب تقول: معنى هذا كذا، ولا أعلم المراد من الكتاب والسنة أي شيء هو. (وفيات الأعيان 1/ 409) .
والحقيقة، أن هذا الفريق الورع قد توقف عن التفسير خوفا من الوقوع في الخطأ وعدم الوصول إلى مراد الله، وليس معنى هذا إنكارهم لتفسير القرآن الكريم.
قال ابن عطية: وكان جملة من السلف، كسعيد بن المسيب، وعامر، وغيرهما، يعظمون تفسير القرآن، ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم.
وذكر مثل ذلك أبو بكر بن الأنباري، فقال: وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القرآن، فبعضٌ يقدر أن الذي يفسره لا يوافق مراد الله - عزّ وجلّ - فيحجم عن القول. (تفسير القرطبي 1/ 34) .
ويمكن القول بأن هذه الروايات والآثار محمولة على خوفهم من الخوض فيما لا علم لهم به، ولا دراية لهم بتأويله، أو في المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، لذلك، توقفوا عن القول برأيهم، ككراهة ابن عباس تفسير ما لا علم له به، وذلك عندما سأله رجل عن: {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} [السجدة: 5] ، فقال له ابن عباس: =