الحديث (1) ، فضلا عن التدوين (2) .
فإن قلتَ: لو كان تدوينه واجبا، لَمَا ترك العلماء تدوينه؟!
قلتُ: ما تركوه، لكنهم قد اكتفوا بتدوين سائر العلوم عن زيادة الاشتغال بتدوينه، ونظمه، اكتفاءً بالرخصة عن العزيمة، وكلامهم يشهد بذلك حين قالوا: علم التفسير كذا، وموضوعه كذا، غاية ما في الباب، أن تدوينه ما اشتهر اشتهار تدوين سائر العلوم (3) .
= ومنهم من أعلّ حديث أبي سعيد وقال:"الصواب، وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره. فتح الباري (1/ 208) ."
(1) يضاف إلى ذلك، أن الصحابة - رضي الله عنهم - وقتئذٍ كانوا عربيا خلّصًا متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة، من قوة في الحافظة، وذكاء في القريحة، وتذوّق للبيان، وتقدير للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - مع هذه الخصائص أكثرهم أميّون، وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم. انظر: مناهل العرفان (1/ 29) .
(2) في حواشي"أ"،"ب"،"جـ"،"د"،"هـ": (والتدوين أعمّ، سواء كان بالحفظ أو بالكتابة) . ا. هـ. يقال: دوّنه تدوينا: جمعه. تاج العروس (دون) (9/ 204) .
(3) مضى عصر الصحابة والتابعين وعلم التفسير يتناقل بطريق الرواية، والتلقين، لا بالكتابة والتدوين، ثم بعد هذا العصر، بدأ التدوين، لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكانت أبوابه متنوعة، وكان التفسير بابا منها، فلم يفرد له تأليف خاص يفسر القرآن سورة سورة، وآية آية، بل وجد من العلماء من جمع الحديث، فجمع بجوار ذلك ما روي في التفسير المنسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو إلى الصحابة أو إلى التابعين، ومن هؤلاء: يزيد بن هارون السلمي المتوفى سنة 117 هـ، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160 هـ، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة 197 هـ، وغيرهم. وجميع ما نقله هؤلاء الأعلام عن أسلافهم من أئمة التفسير نقلوه مسندا إليهم؛ غير أن هذه التفاسير لم يصل إلينا شيء منها. =