بمعارضته من العرب العرباء (1) ، عاجزا عن الإتيان بمثله (2) .
واعلم أن القرآن معجز بالاتفاق، وأن جهة إعجازه هي كمال بلاغته على المذهب المنصور (3) .
وبلاغته: مطابقته لمقتضى الحال على ما ينبغي.
(1) العرب العرباء: هم الخلّص منهم، وأخذ من لفظه، فأكد به، كقولك: ليل لائل. يقال: عرب عاربة، وعرباء، وعربة. الصحاح (1/ 178) ؛ تاج العروس (1/ 371) .
(2) فقد تحدّى الله العرب قاطبة حين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم:"افتراه"، بقوله - تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] ، فلما عجزوا عن الإتيان بعشر سور تشاكل القرآن، قال - تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] ، فلما عجزوا عن أن يأتوا بسورة تشبه القرآن على كثرة الخطباء والبلغاء، قال - تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] .
(3) هذا أحد وجوه إعجاز القرآن، وهذا هو المشهور، وهو قول الجمهور، قال ابن عطية: (وهذا هو القول الذي عليه الجمهور، والحذاق، وهو الصحيح في نفسه، وإن التحدي إنما وقع بنظمه، وصحة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه) . مقدمتان في علوم القرآن، 278، وانظر: بيان إعجاز القرآن للخطابي، ص 28؛ والبرهان في علوم القرآن (2/ 93) .
وقد ذكر العلماء وجوها أخرى لإعجاز القرآن.
فقد ذكر الباقلاني ثلاثة أوجه من الإعجاز، هي:
الأول: تضمن القرآن الإخبار عن الغيوب مما لا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه؛ فمن ذلك: ما وعد الله - تعالى - نبيّه - عليه السلام - أنه سيظهر دينه على الأديان، بقوله - عزّ وجلّ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .
الثاني: إخباره عن قصص المتقدمين وأنبيائهم وسيرهم، وما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير، من حين خلق آدم - عليه السلام - إلى حين مبعثه، مع أنه كان معلوما من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أمّيّا لا يكتب، ولا يحسن أن يقرأ، ولم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين، فذكر قصة آدم - عليه السلام - وابتداء خلقه =