فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 286

والتحقيق: أنهم إن أرادوا بجهة إعجاز القرآن أنها مختصة به لا توجد في غيره من الكلام أصلا، فلا شك أن جهة إعجازه هي بلاغته، لا غير (1) ، وإلا، فإعجاز العرب العرباء عن الإتيان بمثله، قد يحصل بجهات أخر؛ نحو كونه

= وما صار إليه من الخروج من الجنة، وذكر قصة نوح - عليه السلام -، وكذلك إبراهيم وغيرهم من الأنبياء المذكورين في القرآن، والملوك، والفراعنة، الذين كانوا في أيام الأنبياء - صلوات الله عليهم -.

الثالث: أنه بديع النظم، عجيب التأليف، مُتَنَاهٍ في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه. إعجاز القرآن للبلاقلاني، ص 33 باختصار وتصرف.

أما النَّظَّام وبعض القدرية فقد قالوا: إن الله صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، لكن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات.

وهو قولٌ فاسدٌ من وجوه:

أحدها: أن قوله - تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سُلِبُوا القدرةَ - وهو معنى الصرفة - لم يبق لاجتماعهم فائدة، لأنه بمنزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يُحتفل به.

ثانيا: انعقاد الإجماع قبل النَّظَّام على إضافة الإعجاز إلى القرآن نفسه، وكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز على القول بالصِّرفة؟! وإنما المعجز لله - تعالى - حيث سلبهم القدرة.

ثالثا: يلزم من القول بالصرفة: زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي، وخلوّ القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرقٌ لإجماع الأمة، فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول العظمى، ولا معجزة باقية سوى القرآن، وخلوّه من الإعجاز يبطل كونه معجزة.

البرهان في علوم القرآن (2/ 93) ؛ وبيان إعجاز القرآن للخطابي، ص 18، والملل والنحل (1/ 72) .

(1) انظر: مقدمتان في علوم القرآن، ص 278؛ وبيان إعجاز القرآن للخطابي، ص 28 - 29؛ والبرهان (2/ 97) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت