مخبرا عن المغيبات (1) ؛ وكونه خاليا عن الكذب والتناقض، وكونه مشتملا على المصالح كلها، سواء كانت أخروية أو دنيوية، وإن كانت هذه الجهات غير مختصة به، لوجودها في سائر الكتب الإلهية.
(1) وهذا أحد وجوه الإعجاز، كقوله - تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ، وقول الله - تعالى: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [الروم: 1 - 4] ، ففي الآية الأولى أخبر الله - سبحانه وتعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن هزيمة كفار مكة قبل نشوب المعركة، وهذا إخبار عن غيب، فكان كما أخبر، فهزموا في بدر. روى ابن جرير الطبري، أن عمر قال: لما نزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} ، جعلت أقول: أي جمعٍ يُهزم؟ فلما كان يوم بدر، رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدرع ويقول: هزم الجمع وولوا الدبر. الطبري (27/ 64) ، وانظر: القرطبي (17/ 145) .
وفي الآية الثانية: إخبار عن أمر قبل وقوعه، وهذا إخبار عن غيب.
قال عبد الله بن عباس في قوله - تعالى: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} قال: غُلِبَتْ وَغَلَبَتْ، قال: كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، لأنهم وإياهم أهل الأوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس، لأنهم أهل الكتاب؛ فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ» ، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا، كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم، كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أَلَا جَعَلْتَهُ إِلَى دُوْنِ - قَالَ: أَرَاهُ: الْعَشْرِ» . قال سعيد بن جبير: البضع: ما دون العشر، قال: ثم ظهرت الروم بعد. قال: فذلك قوله: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ} إلى قوله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ} قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر.
رواه الترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الروم، الحديث رقم 345 (5/ 33) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عُمرة. وأخرجه بنحوه الطبري (21/ 12) ؛ وابن كثير (3/ 422) ؛ والقرطبي (14/ 2) .