أنس، ليأتيه فيحدثه، فقال مالك:"إن العلم يُؤتَى"، فسار الرشيد إلى منزله، فاستند معه إلى الجدار، فقال: يا أمير المؤمنين، من إجلالك الله إجلال العلم، فقام وجلس بين يديه.
وبعث إلى سفيان بن عيينة (1) ، فأتاه، وقعد بين يديه وحدّثه، فقال الرشيد بعد ذلك:"يا مالك، تواضعْنا لعلمك، فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان، فلم ننتفع به" (2) .
وفي أمثال العرب: إن الثعلب والغراب تحاكما إلى الضب، فقالا: اخرج واحكم بيننا، فقال:"في بيته يؤتى الحَكَم" (3) ، وغير ذلك من الحكايات الكثيرة المشهورة في صيانة العلم.
= المأمون وغيره. وكان من أميز الخلفاء وأجلّ ملوك الدنيا. وكان كثير الغزو والحج، يغزو عاما، ويحج عاما. وكان فصيحا، له نظر في العلم والأدب. وكان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة، ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم، وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأياما. توفي لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة.
تاريخ بغداد (14/ 5) ؛ تاريخ الخلفاء، ص 188.
(1) هو العلامة الحافظ شيخ الإسلام سفيان بن عيينة بن ميمون أبو محمد الهلالي الكوفي، محدث الحرم، مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك بن مزاحم. ولد سنة سبع ومائة، وطلب العلم في صغره، سمع عمرو بن دينار، والزهري، وأبا إسحاق السبيعي، ومنصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وأمما سواهم. حدث عنه الأعمش، وابن جريج، وشعبة، وابن المبارك، وابن مهدي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وطوائف كثيرون. وكان إماما، حجة، حافظا، واسع العلم، كبير القدر، توفي سنة ثمانية وتسعين ومائة. تذكرة الحفاظ (1/ 262) ، تهذيب التهذيب (4/ 117) .
(2) ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (1/ 160) .
(3) هذا مما زعمت العرب عن ألسن البهائم. قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها، فاطلقا يختصمان إلى الضب، فقالت الأرنب: يا أبا الحسل، فقال: =