شفاعة الشافعين، إلا الإشراك بالله تعالى.
في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِيْ بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيْتَنِيْ لَا تُشْرِكُ بِيْ شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً!» (1) .
ففي هذه الآيات والأحاديث أن أهل التوحيد الخالص - الذي لا يشرك صاحبه بالله شيئا أي شيء - يعفى لهم ما لا يعفى لغيرهم، لأن التوحيد المحض يحرق الذنوب والخطايا وإن كانت مثل زبد البحر، كما أن الشرك يمحق الحسنات وإن كانت عدد الرمل.
لقد كان الإسلام على الحق - كل الحق - حين وقف موقفة الصارم من الشرك بكل أنواعه. وحرم - أشد التحريم - أو توجه العبادة إلى غير الله جل ثناؤه.
فالعبادة - كما قال ابن سيده - نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر، لأن أقل القليل من العبادة يكبر عن أن يستحقه إلا من كان له أعلى جنس من النعمة، ألا وهو الله سبحانه، فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله (2) .
وقال الإمام الرازي:
إن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم، وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام، وأعظم وجوه الإنعام: الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع، وإليها الإشارة بقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] وقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ .. ؟ الآية} [البقرة: 28] . وخلق ما
(1) رواه الترمذي وحسّنه من حديث أنس، ومسلم وأحمد بمعناه من حديث أبي ذر، والطبراني من حديث أبي ذر.
(2) المخصص (13/ 96) .