دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ [الزمر: 8] ، {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان: 32] ، {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] .
ويقول ديكارت: إني مع شعوري بنقص في ذاتي، أحس في الوقت نفسه بوجود ذات كاملة، وأراني مضطرا إلى اعتقادي بأن هذا الشعور قد غرسته في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلية بجميع الصفات الكاملة وهي"الله".
ونظرا لأن الشعور نابع من الفطرة الأصيلة نجد الإيمان بقوة عليا فوق الطبيعة وفوق الأسباب، أمرا مشتركا بين بني الإنسان في جميع البقاع، وبين شتى الأجناس والأقوام، وفي مختلف مراحل التاريخ.
يقول الفيلسوف الفرنسي برغسون:"لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكن لم توجد قط جماعات بدون ديانة".
ويقول أرنست رينان في تاريخ الأديان:"إنه من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي، الذي يريد أن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة في الحياة الأرضية" (1) .
وإذا كان منطق الفطرة يهدي إلى الله - والفطرة ليست وجدانا خالصا ولا عقلا محضا، وإنما هي مزيج منهما - فإن العقل المحض يرى الإيمان بالله ضرورة لا محيص عنها حتى يستطيع أن يفسر بها وجود الكون والحياة والإنسان فإن العقل - بغير تعلم ولا اكتساب - يؤمن بقانون"السببية"إيمانه بكل البدائة والأوليات، فلا يقبل فعلا من غير فاعل، ولا صنعة من غير صانع.
(1) انظر: الدين لله، للدكتور دراز، ص 87.