وانتشر هذا النظام العاتي، وكثر أتباعه، وأصبح مما يتعبدون به لله ويتقربون به إليه: البعد عن النظافة والتجمل، واعتبار العناية بالجسم ونظافته ونوازعه رجسا من عمل الشيطان.
ينقل لنا السيد أبو الحسن الندوي عن"تاريخ أخلاق أوروبا"للأستاذ"ليكي"صورا لجموح الرهبانية وغلوها، تقشعر منها الجلود، وتفزع القلوب، وتدهش العقول، وهذه الصور - كما يقول الأستاذ - قليل من كثير جدا، يقول المؤرخ:
"زاد عدد الرهبان زيادة عظيمة، وعظم شأنهم واستفحل أمرهم واسترعوا الأنظار وشغلوا الناس، ولا يمكن الآن إحصاؤهم بالدقة، ولكن مما يلقي الضوء على كثرتهم وانتشار الحركة الرهبانية، ما روى المؤرخون أنه كان يجتمع أيام عيد الفصح خمسون ألفا من الرهبان، وفي القرن الرابع المسيحي كان راهب واحد يشرف على خمسة آلاف راهب، وكان الراهب (سرابين) يرأس عشرة آلاف، وقد بلغ عددهم في نهاية القرن الرابع عدد أهل مصر."
ظل تعذيب الجسم مثلا كاملا في الدين والأخلاق إلى قرنين، وروى المؤرخون من ذلك عجائب فحدثوا عن الراهب (ماكاريوس) أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرص جسمه العاري ذباب سام! وكان يحمل دائما نحو قنطار من حديد! وكان صاحبه الراهب (يوسيبيس) يحمل نحو قنطارين من حديد! وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح! وقد عبد الراهب (يوحنا) ثلاث سنين قائما على رجل واحدة ولم يتم ولم يقعد طول هذه المدة، فإذا تعب جدا أسند ظهره إلى صخرة! وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائما! وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام! وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح ويتأثمون من غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن