فَسِرْنَا فِيْ يَوْمٍ شَدِيْدِ الْحَرِّ، فَنَزَلْنَا فِيْ بَعْضِ الطَّرِيْقِ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَّا، فَدَخَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَإِذَا أَصْحَابُهُ يَلُوْذُوْنَ بِهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ كَهَيْئَةِ الْوَجَعِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوْا: صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُوْمُوْا فِي السَّفَرِ، وَعَلَيْكُمْ بِالرُّخْصَةِ الَّتِي رَخَّصَ اللهُ لَكُمْ فَاقْبَلُوْهَا» (1) .
وبذلك أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - بكل صراحة: أن الصيام إذا شق على صاحبه في السفر إلى الحد الذي ذكرته الروايات كان إثما لا برا.
وعن أنس قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، أكثرنا ظلا صاحب الكساء .. فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُوْنَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ» (2) .
وهكذا لا يكسب الصائم في مثل هذه الأحوال إلى الجوع والعطش ويكسب المفطر الشبع والري، ومثوبة العمل الاجتماعي لخدمة إخوانه.
وكذلك رخص للمريض بالفطر في رمضان، ويقضي هو والمسافر عدة من أيام أخر، ولنستمع إلى قول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .
ورخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمجاهدين بالفطر في الصيام، فعن أبي سعيد قال: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ» فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ
(1) رواه الطبراني في"الكبير"بإسناد حسن. [تعليق الناسخ] : لم أجد القصة في"المعجم الكبير"للطبراني. وورد في"سنن النسائي" [2258] : عن جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِرَجُلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، قَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَائِمٌ، قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» .
(2) رواه مسلم.