فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 317

أسرار ما شرع ليظل الإنسان في هذا وذاك متطلعا بأشواقه وراء المجهول آملا في الوصول، معترفا بالقصور، وليظل دائما في دائرة العبودية المؤمنة التي شعارها دائما: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .

وقد ذكر الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال:"أن العبادات لصحة قلب الإنسان، كالأدوية لصحة بدنه، وليس كل إنسان يعرف خواص الدواء وسر تركيبه إلا الطبيب أو العالم الذي اختص بمعرفته، وكل مريض يقلد الطبيب فيما يصف له من دواء ولا يناقشه فيه، قال: فكذلك بان لي على الضرورة أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة لا ببضاعة العقل، وكما أن اختلاف الأدوية في المقدار والوزن والنوع لا يخلو من سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى إن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار، فلا يخلو عن سر من الأسرار، وهو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة، فقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط لها حكمة، أو ظن أنها ذكرت على الاتفاق لا من سر إلهي فيها" (1) .

وبهذا علم أنه من الخطأ البين أن نطلب لكل تفصيل من تفصيلات العبادة حكمة تقنع العقل، وتشبع نهمه، ولا سيما ذلك العقل المادي الحديث الذي لا يشبعه إلا الحسية والنفعية.

فالعبادات - كما قال الأستاذ العقاد - شعائر توقيفية تؤخذ بأوضاعها وأشكالها، ولا يتجه الاعتراض إلى وضع من أوضاعها، إلا أمكن أن يتجه إلى الوضع الآخر، لو استبدل منها ما اقترحه المقترح بما جرى عليه العمل وقامت عليه الفريضة من نشأتها.

(1) "المنقذ من الضلال"للإمام الغزالي، بتصرّف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت