فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 317

لقد خلق هذا الإنسان خلقا عجيبا، فيه من الملاك روحانيته، ومن البهيمة شهوتها، ومن السباع حميتها، وكثيرا ما تغلبه الشهوة، ويستفزه الغضب، ويجذبه تراب الأرض الذي خلق منه، فيقع في الأخطاء، ويتردى في الخطايا، وليس العيب أن يخطئ الإنسان، فكل بني آدم خطاء، ولكن العيب أن يتمادى في الخطأ، ويستمر في الانحدار، حتى يصير كالأنعام أو أضل سبيلا.

وفي الصلوات اليومية الخمس فرصة يثوب فيها المخطئ إلى رشده، ويفيق المغرور من سباته، ويرجع الإنسان إلى ربه، ويطفئ هذا السعار المادي الذي أججته المطامع والشهوات، ونسيان الله والدار الآخرة.

وفي هذا المعنى يقول الرسول - صلوات الله عليه: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا يُنَادِيْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ: يَا بَنِيْ آدَمَ، قُوْمُوْا إِلَى نِيْرَانِكُمْ الَّتِيْ أَوْقَدْتُمُوْهَا فَأَطْفِئُوْهَا» (1) إنها نار موقدة، تطلع على الأفئدة وتلفح القلوب والعقول. والصلاة هي مضخة الإطفاء التي تخمد هذه النار، وتمسح دخانها، وسوادها، وتغسل أثرها من بين جوانح الإنسان. ويوضح هذا ابن مسعود في حديثه الذي يقول:"تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا تكتب عليكم حتى تستيقظوا!" (2) .

ويصور الرسول لأصحابه - بكل وسائل التوضيح - عمل الصلاة في محو الخطايا التي تبدر من الإنسان في صباحه ومسائه، فيروي لنا عنه سلمان الفارسي: أنه كان معه تحت شجرة فأخذ منها غصنا يابسا، فهزم حتى تحات ورقه، ثم قال: يا سلمان، ألا تسألني، لم أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعله؟

(1) رواه الطبراني في الأوسط والصغير، ورجال إسناده محتجّ بهم في الصحيح، كما في الترغيب.

(2) رواه الطبراني في الأوسط والصغير مرفوعا، وإسناده حسن، ورواه في الكبير موقوفا، وهو أشبه، كما في الترغيب للمنذري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت