فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 317

قال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه، كما تحات هذا الورق، ثم تلا الآية الكريمة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] (1) .

وليس أثر الصلوات مقصورا على هذا الجانب من غسل الأدران، وتكفير الخطايا، ومطاردة السيئات، ولكنها تقوم بمهمة إيجابية أخرى، فإنها للحظات خصبة مباركة، تلك المرات الخمس التي ينتزع الإنسان فيها نفسه كل يوم من دنياه، دنيا الطين والحمأ المسنون، دنيا الأحقاد والصراع، وتنازع البقاء أو تنازع الفناء، ليقف بين يدي مولاه لحظات خاشعة يخفف بها من غلواء الحياة، وضغط الطين والمادة الكثيفة على القلوب والأرواح.

إنها تقوم بتغذية ذلك الجزء العلوي الإلهي في كيان الإنسان، وهو المشار إليه بقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] ، ذلك الكائن الروحي الذي يعيش بين جوانح الإنسان، لا يكفي لتغذيته علم العلماء، ولا أدب الأدباء، ولا فلسفة المتفلسفين، ولا يغذيه إلا معرفة الله وحسن الصلة به، وهذه الصلوات الخمس هي وجبات الغذاء اليومي للروح، كما أن للمعدة وجباتها اليومية، ففي مناجاة العبد لربه في صلاته شحنة روحية تنير قلبه، وتشرح صدره، وتأخذ بيده من الأرض إلى السماء، وتدخله إلى الله بلا باب، وتقفه بين يديه بلا حجاب، فيكلمه بلا ترجمان، ويناجيه فيناجي قريبا غير بعيد، ويستعين به فيستعين بعزيز غير ذليل، ويسأله فيسأل غنيا غير بخيل، تكاد تشف روحه وتصفو نفسه، فتسمع كلام الله الذي يقول: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِيْ وَبَيْنَ عَبْدِيْ قِسْمَيْنِ، وَلِعَبْدِيْ مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ: حَمِدَنِيْ عَبْدِيْ، فَإِذَا قَالَ: {اَلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ اللهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِيْ، فَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ: مَجَّدَنِيْ عَبْدِيْ،

(1) والحديث رواه أحمد والنسائي والطبراني، ورواة أحمد محتجّ بهم في الصحيح، إلا علي بن زبد، كما في الترغيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت