فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 317

هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء، والملوك والأمراء فترى في خضوعهم لهم، وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين. دع سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة. فما هي العبادة إذن؟

تدل الأساليب الصحيحة، والاستعمال العربي الصراح، على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود، لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يدرك تفهمها وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به، ولكنها فوق إدراكه، فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال"إنه عبده"وإن قبل موطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفا، وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء في كرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة إلى الذين يعتقدون أن الملك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لأنهم أطيب الناس عنصرا، وأكرمهم جوهرا، هؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابا وعبدوهم عبادة حقيقية"."

فالشيخ محمد عبده يرى هنا أن الذي يميز العبادة من غيرها من ألوان الخضوع والتذلل والانقياد ليس هو درجة الخضوع والطاعة. كما يقول اللغويون الذين يرون العبادة هي أقصى الطاعة والخضوع، وإنما ينظر إلى منشأ هذا الخضوع والانقياد، فإن كان منشؤه وسببه أمرا ظاهرا كالملك والقوة ونحوهما، فلا يسمى عبادة، وإن كان منشؤها الاعتقاد بأن للمعبود عظمة وقدرة فوق الإدراك والحس فهذا هو العبادة (1) .

(1) ولكن هذا التقييد - مع مخالفته لما اتفقت عليه كتب اللغة - يبدو مخالفا أيضا لظاهر قوله تعالى على لسان فرعون وملئه في شأن موسى وهارون: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47] . قال الطبري:"يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل مَن دان لملك عابدا له". انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت