العبد لا يخضع لسيده رأسه فحسب، بل يخضع معه قلبه أيضا (1) .
فكأن الأستاذ يرى أن أصل معنى العبادة هو الإذعان الكلي، والخضوع الكامل، والطاعة المطلقة، ثم قد يضاف إلى هذا المعنى عنصر عاطفي جديد، تتمثل فيه عبودية القلب، بعد عبودية الرأس أو الرقبة، ومظهر هذا العنصر هو التأله والتنسك وأداء الشعائر.
ويقول الشيخ محمد عبده في تفسير (إياك نعبد وإياك نستعين) من سورة الفاتحة في"المنار":
"ما هي العبادة؟ يقولون: هي الطاعة، مع غاية الخضوع، وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل فتجليه للأفهام واضحا لا يقبل التأويل، فكثيرا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون أحيانا بالتعريف اللفظي، يبينون الكلمة بما يقرب من معناها، ومن ذلك هذه العبارة، التي شرحوا بها معنى العبادة. فإن فيها إجمالا وتساهلا."
وإننا إذا تتبعنا آي القرآن، وأساليب اللغة، واستعمال العرب ل-"عبد"وما يماثلها ويقاربها في المعنى - كخضع، وخنع، وأطاع، وذل - نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي"عبد"ويحل محلها، ويقع موقعها، ولذلك قالوا إن لفظ"العباد"مأخوذ من العبادة، فتكثر إضافته إلى الله تعالى، ولفظ"العبيد"تكثر إضافته إلى غير الله تعالى، لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق. وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى.
ومن هنا قال بعض العلماء، إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى، ولكن استعمال القرآن يخالفه، ثم يسترسل الشيخ في النهاية فيقول:
"يغلو العاشق في تعظيم معشوقه، والخضوع له، غلوا كبيرا، حتى يفني هواه في هواه، وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه"
(1) المصطلحات الأربعة في القرآن، ص 97.