كان يصنع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تعليم شعائر الدين وعباداته؟
لقد كان الرجل يجيء إليه من البادية - بعد أن يشرح الله صدره للإسلام - يريد أن يتعلم منه الدين، فيسأله بضع أسئلة، ويتلقى منه أجوبتها بكل بساطة ووضوح، ويحضر معه بعض الصلوات، فيأخذ عنه صورتها بالرؤية والقدوة، لا بالاستظهار والتلقين. وهكذا علّمهم - عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (1) ، ففي جلسةٍ أو جلسات يعود الرجل إلى بيئته وقد عرف ما يجب على مثله، وما يَفْتح له باب الجنة إن عمل بمقتضاه.
ذلك هو تعليم العبادة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، لم يكونوا يحللون النصوص ويُشَرِّحون الألفاظ، ويلتمسون التخريجات والتأويلات. إذا قال الله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] لم يخصصوا درسا في تعريف ماهية الغسل، والفرق بينه وبين المسح، ولا في تحديد مساحة الوجه، وأنه ما بين منبت الشعر إلى أسفل الذقن طولا، وما بين شحمتَي الأذنين عرضا .. إلخ. أجل .. لا يفعلون ذلك، لأن كل واحد يعرف ما هو الغسل، وما هو الوجه؟ كل إيضاح أو شرح في مثل هذه المعاني هو أول باب التعقيد.
"الله أكبر"هل يجهل مسلم هذه الكلمة التي جعلها الإسلام فاتحة الأذان والإقامة والصلاة؟
ولكن كتب الفقه حين تتحدث عن"تكبيرة الإحرام"وهي التكبيرة الأولى التي يدخل بها المسلم في الصلاة تحيطها بمجموعة من الشروط الكثيرة، حتى ليخيّل إليك أن نطق هذا اللفظ - الذي هو على لسان كل مسلم - من العسر بمكان. وتالله، إن العسر ليس في كلمة التكبير، ولا في ألسنة من يتعلمون، ولكنه في روح من يُعَلِّمون.
إنهم يعلّمون الناس من كتب وُضِعت للمتخصصين المتفرغين لطلب العلم، لا لعامة الناس المزحومين بمشاغل الحياة ومطالبها. وبعض هذه الكتب لا تخلو من تعقيد وتكلّف، وبعضها لا يخلو من إضافات وابتداعات لم يأذن بها الله.