فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 317

يحب الجمال فالله هو مصدره، ومن كان يحب الكمال فلا كمال في الحقيقة إلا كماله، ومن كان يحب ذاته، فالله هو خالقه.

فمن عرف الله أحبه، وبقدر درجته في المعرفة تكون درجته في المحبة، ولهذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أشد الناس حبا لله، لأنه كان أعرفهم بالله، وكانت قرة عينه في الصلاة، لأنها الصلة المباشرة بين قلبه وبين الله، وكان في دعائه يسأل الله الشوق إلى لقائه، ولذة النظر إلى وجهه سبحانه، ولما خير بين البقاء في الدنيا وبين اللحوق بربه قال: أختار الرفيق الأعلى!

أما علماء الكلام أو بعضهم ممن زعموا أن الحب الحقيقي لا يتصور من جانب العبد لله، وقالوا: إن معنى حب الله هو المواظبة على طاعته تعالى، وأما حقيقة الحب فهو محال، إلا مع الجنس والمثال، فقد رد عليهم الغزالي في"الإحياء"ردا مفصلا (1) ، مبينا أن الذي يستحق المحبة الكاملة بكل وجوهها، وكافة أسبابها هو الله وحده.

فإن أسباب الحب - كما شرحها - ترجع إلى خمسة هي: 1. حب الإنسان وجود نفسه وكماله وبقاءه، 2. وحبه من أحسن إليه فيما يرجع إلى دوام وجوده ويعين على بقائه ودفع المهلكات عنه، 3. وحبه من كان محسنا في نفسه إلى الناس وإن لم يكن محسنا إليه، 4. وحبه لكل ما هو جميل في ذاته، سواء كان من الصور الظاهرة أو الباطنة، 5. وحبه لمن بينه وبينه مناسبة خفية في الباطن.

فلو اجتمعت هذه الأسباب في شخص تضاعف الحب لا محالة، كما لو كان للإنسان ولد جميل الصورة، حسن الخلق، كامل العلم، حسن التدبير، محسن إلى الخلق، ومحسن إلى الوالد نفسه، كان محبوبا لا محالة غاية الحب، وتكون قوة الحب - بعد اجتماع هذه الخصال - بحسب قوة هذه

(1) كما ردّ عليهم العلامة ابن القيم، وبين فساد قولهم بأكثر من ثمانين وجها ذكرها في كتابه"روضة المحبين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت