وواجبنا مع هؤلاء الناس ومن شبابهم أن نعلمهم هذا المبدأ الإسلامي الجليل: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ النَّافِلَةَ حَتَّى تُؤَدِّيَ الْفَرِيْضَةُ» .
وكيف يقبل الله الحجة الثانية أو الرابعة - وهي النافلة - ممن يدع قريبه أو جاره يئنّ من الحاجة، ويشكو الجوع والفاقة ولا يقدم له عونا، ونبي الإسلام يقول: «مَا آمَنَ بِيْ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ إِلَى جَنْبِهِ جَائِعٌ وَهُوَ يَعْلَمُ» (1)
أن بعض المشاريع الإسلامية الجليلة النافعة تتعطل، بل قد تموت في مهدها، لفقدان من يموّلها، على حين يوجد كل عام عشرات الآلاف من المسلمين يحجّون الحَجّة الرابعة أو السابعة، فليتهم صرفوا ما ينفقون في حجّ النافلة على تلك المشروعات التي يُعَدّ كثير منها فرض كفاية على المسلمين.
إن المسلم الفقيه في دينه هو الذي يعرف كيف يوازن بين الأعمال: أيها يقدّم، وأيها يؤخر؟ فلا يضيع فريضة بنافلة، ولا يحرص على مندوب يوقعه في مكروه أو حرام!
ومن النظرات الفقهية العميقة ما قرأته للإمام الغزالي وهو يتحدث عن الآداب الدقيقة، والأعمال الباطنة التي ينبغي أن يراعيها الحاج. فكان الأدب الثاني:"ألا يعاون أعداء الله - سبحانه - بتسليم المكس (وهو ضريبة مالية تفرض بغير حق) وهم الصادّون عن المسجد الحرام من أمراء مكة والأعراب المترصدين في الطريق، فإن تسليم المال إليهم إعانة على الظلم وتيسير لأسبابه عليهم، فهو كالإعانة بالنفس، فليتلطف في حيلة للخلاص، فإن لم يقدر فقد قال بعض العلماء، ولا بأس بما قاله: إن ترك التنقل بالحج والرجوع عن الطريق أفضل من إعانة الظلمة؛ فإن هذه بدعة أحدثت، وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة مطردة، وفيه ذل وصغار على المسلمين ببذل جزية، ولا معنى لقول القائل: إن ذلك يؤخذ مني وأنا مضطر، فإنه لو"
(1) رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن.