لغير مستحقها، لغير الرب الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، فاتخذوا مع الله - أو من دونه - آلهة أخرى، أو اتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله. حتى رأينا في المتأخرين من المسلمين أيضا لوثة من هذا الضلال. فمنهم من يعظم غير الله، أو يقدس غير الله، أو ينذر لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يطيع - طاعة مطلقة - غير الله!
ووجدنا من الناس من آمنوا بمنزلة العبادة، ووجهوها إلى مستحقها - سبحانه - ولكنهم لم يعبدوا الله بما أمر به، ولم يتقيدوا بما شرع لهم من طرائق العبادة وصورها. فشرعوا منها ما لم يأذن به الله، وسنوا ما لم يسنه رسول الله، فشددوا على أنفسهم، وشردوا عن سواء الصراط، وأحاطوا العبادات بالبدع والضلالات، التي ورثوها عمن ضل قبلهم من اتباع الديانات. غافلين عن الإصلاح العظيم الذي جاء به دينهم في مجال العبادة، حيث قوم عوجها، وأبطل زائفها، ووضع لها الأصول والمبادئ التي تحميها من الغلو والانحراف.
ووجدنا آخرين قد فهموا معنى العبادة - التي جعلها الله غاية الخلق - فهما جزئيا قاصرا، فهي لا تعدوا أداء الشعائر المعروفة من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وما يلحق بها من الذكر والتلاوة والدعاء.
وبهذا الفهم المبتور لا يبالون ما قصروا فيه بعد ذلك من أوامر الإسلام ونواهيه، وأحكامه ووصاياه، التي تستوعب كل مجالات الحياة، مع أن العبادة - كما جاء بها القرآن والسنة. وكما فهمها خير قرون هذه الأمة - تشمل الدين كله، وتشمل الحياة كلها.
من هنا رأينا واجبنا أن نصحح المفاهيم المغلوطة، التي سادت بين كثير من المسلمين المتأخرين في شأن العبادة، وأن نطارد الأفكار الضالة التي يريد بعض الناس أن يدخلوها في رؤوس المسلمين عن قيمة العبادة ومكانتها في الإسلام، وأن نبين معنى العبادة وحقيقتها، وشمولها وغايتها