الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة، كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقوله: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب.
وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربا بأنسه بالله وحبه له. وقال آخر: مساكين أهل الغفلة! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها فقيل له: وما هو؟ قال: محبة الله والأنس به. ومثل هذا ما قاله لآخر: أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وأطيب ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة.
وقال آخر - من أهل معرفة الله وطاعته: لو علم المملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف!
ووجدان هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، بحسب إدراك جمال المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل، وإدراك المحبوب أتم، والقرب منه أوفر، كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى.
فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب، وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يعرف إلا بالذوق والوجد، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حبا لغيره، ولا أنسا به، وكلما ازداد له حبا ازداد له عبودية وذلا، وخضوعا ورقا له، وحرية عن رق غيره.
فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا ينعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه، وكلما تمكنت محبة الله من القلب، وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه وعبوديته له:
فأصبح حرا عزة وصيانة ÷ على وجهه أنواره وضياؤه