وقال الإمام فخر الدين الرازي:
"اعلم أن من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها، وثقل عليه الاشتغال بغيرها. وبيانه من وجوه:"
الأول: أن الكمال محبوب بالذات، وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بعبادة الله، فإنه يستنير قلبه بنور الإلهية، ويتشرف لسانه بشرف الذكر والقراءة، وتتجمل أعضاؤه بجمال خدمة الله، وهذه الأحوال أشرف المراتب الإنسانية، والدرجات البشرية، فإذا كان حصول هذه الأحوال أعظم السعادات الإنسانية في الحال، وهي موجبة أيضا لأكمل السعادات في الزمان المستقبل، فمن وقف على هذه الأحوال، زال عنه ثقل الطاعات، وعظمت حلاوتها في قلبه.
الثاني: أن العبادة أمانة، بدليل قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ... } [الأحزاب: 72] وأداء الأمانة صفة من صفات الكمال محبوبة بالذات، ولأن أداء الأمانة من أحد الجانبين سبب لأداء الأمانة من الجانب الثاني، قال بعض الصحابة: رأيت أعرابيا أتى باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد، وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء، فتعجبنا، فلما خرج لم يجد ناقته، فقال: أديت أمانتك فأين أمانتي؟! قال الراوي: فزدنا تعجبا! فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته .. وسلم الناقة إليه.
قال الرازي: والنكتة أنه لما حفظ أمانة الله حفظ الله أمانته، وهو المراد من قوله - عليه الصلاة السلام - لابن عباس: «اِحْفَظِ اللهَ ... يَحْفَظْكَ» (1) .
الثالث: أن الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى عالم السرور، ومن الاشتغال بالخلق إلى حضرة الحق، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة.
(1) ا