فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 317

يحكى عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس، وكان أبو حنيفة في الصلاة ولم يشعر بها، ومن استبعد هذا فليقرأ قوله تعالى - في قصة يوسف: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] . فإن النسوة لما غلب على قلوبهن جمال يوسف - عليه السلام -، وصلت تلك الغلبة إلى حيث قطعن أيديهن وما شعرن بذلك، فإذا جاز هذا في حق البشر فلأن يجوز عند استيلاء عظمة الله على القلب أولى. ولأن من دخل على ملك مهيب فربما مر به أبواه وبنوه وهو ينظر إليهم ولا يعرفهم، لأن استيلاء هيبة ذلك تمنع القلب عن الشعور بهم، فإذا جاز هذا في حق ملك مخلوق، فلأن يجوز في حق خالق العالم أولى .." (1) ."

وبهذا نتبين أن الذي يذوق طعم الإيمان الحق، وتزهر في قلبه مصابيح اليقين، لا ينظر إلى العبادة على أنها مجرد خضوع أو"تنفيذ أوامر"فحسب، إنه يجد فيها تلذذا بمناجاة الله وطاعته، والسعي في مرضاته، ويجد فيها سعادة لا تدانيها سعادة أصحاب القصور والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينتظر فريضة الصلاة انتظار الظمآن اللهف إلى شربة الماء العذب الزلال، ويهرع إليها كما يهرع السائر في الصحراء إلى الواحة الخضراء، وكان يقول لبلال - في شوق ولهفة - إذا حان وقتها: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ» (2) . وقالت زوجه عائشة: كان رسول الله يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة، فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، فلا عجب أن يقول - عليه الصلاة السلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِيْ فِي الصَّلَاةِ» (3) .

إن المؤمن ليجد في عبادة ربه في ساعة الشدة، سكينة لنفسه، وأنسا لوحشته، وانشراحا لصدره، وتخفيفا عن كاهله، كما قال الله تعالى لرسوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ

(1) التفسير الكبير للرازي (1/ 249 - 250) .

(2) رواه أبو داود.

(3) رواه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت