فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 317

إن هذه الحياة الدنيا لا تعطي حصادها إلا لمن يزرعون، ولا جناها إلا لمن يغرسون، ولا ينال المرء فيها ما يحب إلا بصبره على ما يكره، ولا يتحقق له أمل يصبو إليه إلا بعد أن يجتاز امتحانات عسيرة، ويتحمل مشقات شديدة، ولذلك لا يطمع في إدراك المعالي وتحقيق الآمال الكبيرة إلا أولو العزم وأصحاب النفوس الكبيرة، وفي هذا يقول المتنبي:

ذريني أنل ما لا ينال من العلا فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل

تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل!

هذا شأن حياتنا هذه القصيرة، فكيف بحياة الخلود؟ أيريد الإنسان أن يحظى بنعيمها ورضوان الله فيها، ويسعد بالنظر إلى وجهه الكريم، دون جهد ولا ابتلاء ودون أن يسعى لها سعيها؟ إذن يستوي القاعدون والمجاهدون يستوي الكسالى والعاملون، يستوي الطالحون والصالحون، وهم في عدالة الله لا يستوون!!

لقد عرفنا من عدالة السنن الإلهية في الكون أن الشيء النفيس لا يدرك إلا بجهد كبير، وكلما كانت نفاسته أظهر، احتاج إلى جهد أكبر، فهل هناك شيء أنفس وأعظم من الآخرة الباقية، من الحياة الأبدية، من رضوان الله تعالى؟ لا والله، ولهذا حفت الجنة بالمكاره، وملئ طريقها بأشواك الابتلاء.

ومن هنا قال الإنجيل:"ما أضيق الطريق الذي يؤدي إلى الحياة الأبدية!"وما ضيقه إلا تكاليف العبودية والتزامات الإيمان.

وقال القرآن العظيم: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ؟} [آل عمران: 142] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت