مهامّ الرسول تبيان الذكر للناس والإجابة على أسئلتهم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .
والتبيان يحتاج إلى حكمة وبصيرة، فلا يفيد إجبار الناس وقسرهم أو إكراههم إلى ما تدعو إليه، ومن هنا، فإننا نرفض رفضا قطعيا مسلك العنف والإكراه كطريقة لفرض الآراء على الناس وإكراههم على تطبيقها، بل تعمل على استئصال جذور هذا العنف من الفكر والواقع انطلاقا من فهمنا للإسلام وتعاملنا مع نصوصه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... } [النحل: 125] ، فنحن نعتمد الحوار والإقناع، ومقارعة الحجة بالحجة: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] [النمل: 64] ، {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام: 83] ، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ... } [البقرة: 258] ، ذلك هو السبيل الأقوم والطريق الأصوب لسيادة المبدأ، وانتشار الفكرة، بل هو المنهاج الذي لا نحيد عنه، طالما أن فينا عرق ينبض.
وأنت إذا تدبّرت القرآن تجد المولى سبحانه وتعالى حين أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالبلاغ والإنذار لم يتركه يختار أسلوب الدعوة في التبليغ والنذارة وهو - صلى الله عليه وسلم - مَن هو صاحب الخلق العظيم، والسلوك الحميد، والعقل الراجح والحكمة البالغة ومع كمال الصفات الإنسانية فيه نجد المولى يحدد له منهج الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ليكون منهاجا ربّانيا ما كان للدعاة الخيرة فيه. يقول ابن القيم: جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل الذكر الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بالحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن، وبذلك يكون المنهج كما احتوى على تبيان الفكرة والهدف حوى أيضا وسيلة تحقيقه وأسلوب الدعوة إليه.
وهذا المنهج في الدعوة إلى الله خطواته مرسومة، وقواعده محددة وأصوله معلومة مَن طبقه بفقه وبصيرة فتح الله له القلوب الغلف والأعين العمى والآذان الصم، فتهفو نفس المدعو لهذا الخير فيحبب الله له الإيمان ويزيّنه في قلبه ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، ويجعله من الراشدين، فضلا من الله ونعمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد لعبدٍ أن يوجّهه لدعوة الخير والإصلاح ألقى في قلبه كره ما عليه مجتمعه من ضلال وفساد. كل ذلك بفضل الله أولا، ثم بفضل أسلوب الداعي البصير الذي يجري الله على يديه الخير.
فإذا بنفس المدعو راضية، وفؤاده مطمئنّ يستعذب العذاب في سبيل الله، فيتبدّل ضيقه