فَرَجًا، وعسره يسرا، وأمله حقيقة، فلا يستطيل طريقا، ولا يتعجّل نتيجة، ويوقن أن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وأن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا.
والداعي تلميذٌ، إمامُه الرسول، ودستوره القرآن يتعلم منه دقّته في اختيار اللفظ، وحكمته في اختيار القول، فهو يقول للمخالفين: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] ، وللمخالفين: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة: 111] [النمل: 64] ، وللمعاندين: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] ، لأن شعاره: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] ، فيتأدب بآداب القرآن تواضعا، ويدفع بالتي هي أحسن منهجا، فإذا بسنة الله تتحقق: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .
ولا بد أن يعي الداعي أنّ أي تقصير في تبيان إلى أي شيء ندعو الناس؟ وكيف ندعوهم؟ يمثّل عقبة كؤودا في طريق الدعوة لا بد من إزالتها، ليمهّد الطريق لمن أراد السير فيه حتى لا تتعثّر خطاه أو تزلّ قدم بعد ثبوتها.
ومن هنا كان لا بد من فقهٍ للداعي، لأنه إذا كان كل زمان يحتاج إلى علم يفصل تفصيلا إذا غُمَّ على الناس، فإن علم الدعوة وفقهها هو الذي نحن في حاجة إليه اليوم. إن العرب ما كانوا في حاجة إلى علم النحو والصرف والمحسّنات البديعية حتى يفهموا لغة القرآن، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، ولكن جاء زمانٌ احتاج الناس لهذه القواعد بعد أن أصبح لسانهم أعجميًّا، حتى يضبطوا الألفاظ ويحدّدوا المعاني، فاحتاجوا لهذا العلم.
ونحن اليوم ما أحوجنا إلى ضبط المفاهيم والحركة بعد ما رأينا من إفراط في الدعوة، حتى كفَّر بعض الناس مجتمعهم الذي يعيشون فيه أو تفريط منه حتى أصبح هذا القرآن مهجورا، وحدث ما حدث من انحطاط المسلمين: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] .
لهذا كله، فإني استخَرْت الله تعالى وتوكلت عليه وسألته التوفيق في توضيح ما أردتُ، فكانت هذه الصفحات التي أردت أن أبيّن بها للداعي أن (الدعوة قواعد وأصول) ، وقسمتها إلى فصول أربعة، بيّنت في الفصل الأول: أصول الدعوة وما يتعلق بها من حيث معنى الدعوة، وتعريفها، ووجوبها، وإلى أي شيء ندعو الناس؟ وخصائص هذه الدعوة، وفهمنا لها، وعوامل نجاحها، ووسائل تحقيق أهدافها.
أما الفصل الثاني، فتناولت فيه ما يتصل بالداعي، وبيّنت - بتوفيق الله - أن الإسلام دعوة، وداعية، له صفات أخلاقية يتحلى بها من صدق، وإخلاص، ورحمة، وحلم، وصبر، وحرص، وأمل، وثقة في نصر الله، كما يتحلى أيضا بالفقه، والوعي، محددا بذلك الشخصية المسلمة التي نسعى لاستعادتها بعد أن فقدناها في زماننا هذا وحتى لا يكون هناك انفصامٌ بين الداعي والدعوة.
ثم تحدّثت في الفصل الثالي عن