فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 244

من السكنات حتى يكون العمل خالصا لوجه الله سبحانه وتعالى، فعن ميمون بن مهران قال: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون لنفسهأشد محاسبة من الشريك لشريكه.

إنها الرقابة التي تبصرنا بأن الإنسان مكشوف أمام الله لا يتملص ولا يتلفت، واسمع إلى المولى - جلّ وعلا - وهو ينادينا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] . قال ابن عباس: وتخونوا أماناتكم، الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة، يقول: لا تخونوها لا تنقضوها، وقال في رواية: لا تخونوا الله والرسول يقول: بترك سنته وارتكاب معصيته. قال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم، ولا شك أن تبليغ الدعوة أمانة، فوجب على الداعي أن يبلغها كما علمه القرآن حكمة في الأسلوب وموعظة في القول ومجادلته بالتي هي أحسن. وهو إن أخلص في دعوته فقد تخلص من السمعة والرياء وحب الظهور. قال عليّ - كرّم الله وجهه: للمرائي أربع علامات يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس ويزيد في العمل إذا أثنى عليه، وينقص منه إذا لم يثن عليه.

واسمع إلى قوله أيضا - كرّم الله وجهه - وهو يقول: لا تهتموا لقلة العمل، واهتموا للقبول، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ بن جبل: أخلص العمل يُجْزِكَ - أي يكفي - منه القليل (1) .

وأزيدك هذه القصة: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «انطَلَقَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ المَبيتُ إِلى غَارٍ فَدَخلُوهُ، فانْحَدرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللهَ بصَالِحِ أعْمَالِكُمْ. قَالَ رجلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كبيرانِ، وكُنْتُ لا أغْبِقُ (2) قَبْلَهُمَا أهْلًا ولاَ مالًا، فَنَأَى (3) بِي طَلَب الشَّجَرِ يَوْمًا فلم أَرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُما نَائِمَينِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَأَنْ أغْبِقَ قَبْلَهُمَا أهْلًا أو مالًا، فَلَبَثْتُ - والْقَدَحُ عَلَى يَدِي - أنتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرِقَ (4) الفَجْرُ والصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ (5) عِنْدَ قَدَميَّ، فاسْتَيْقَظَا فَشَرِبا غَبُوقَهُما. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابِتِغَاء وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ، فانْفَرَجَتْ شَيْئًا لا يَسْتَطيعُونَ الخُروجَ مِنْهُ.

قَالَ الآخر: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمّ، كَانَتْ أَحَبَّ النّاسِ إليَّ - وفي رواية: كُنْتُ أُحِبُّها كأَشَدِّ مَا

(1) قال الحافظ العراقي: حديث معاذ: أخلص ... أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ، وإسناده منقطع. من كتاب موعظة المؤمنين من كتاب إحياء علوم الدين، ص 443.

(2) لا أقدم عليه أحد في شرب اللبن بالعش.

(3) ذهب بعيدا في طلب الحطب.

(4) برق الفجر أي ظهر ضوءه وانتشر.

(5) يتضاغون أي يصرخون من شدة الجوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت