بهذا المنطق الحكيم، والحجة السديدة، عرض رسل الله الكرام دعوتهم على أقوامهم، لا يختلف رسول عن الآخر. وكانوا يثبتون الرسالة والرسول بإبراز جانب الصدق الذي كان يتصف به كل نبي ورسول، فكان كل نبي يقول لقومه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} كما كان يظهر لهم بعض المعجزات التي تؤيده من قبل ربه، وكان يسوق لهم البينات والحجج والبراهين الساطعة والناطقة بصدقه، وأن ما جاء به من الحق منزل من عند الله سبحانه وتعالى بأسلوب حكيم، وحجة بالغة وبينة واضحة؛ ليكون الإقناع لا الإكراه هو السبيل. فإذا ما آمنوا بالله ورسله بالأدلة النقلية والعقلية، ورسخ هذا الإيمان في قلوبهم، دعوهم إلى الإيمان بالبعث والنشور؛ لأنه من الأمور الغيبية التي لا يمكن للعقل أن يتوصل إليها إلا بعد الإيمان بالله ورسله، فالإيمان برسل الله - عليهم الصلاة والسلام - يتبعه الإيمان بكل ما جاءوا به، ومن أهم ما جاءوا به الدعوةُ إلى الإيمان بالبعث وما يتبعه من حساب وجزاء، ولذلك، فإن الإنكار ليوم البعث هو في الحقيقة إنكارٌ لما جاء به الرسل.
واستمع إلى أسلوب القرآن في الدعةى إلى الإيمان بيوم البعث بالاستدلال ببدء خلق الإنسان؛ لأن الذي بدأ الخلق قادرٌ على إعادته: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 77 - 79] .
{وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا. أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 66 - 67] .
{أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 37 - 40] .
واستمع إلى هذا النداء الذي يوقظ النائمين، وينبه الغافلين، ويزيد إيمان المؤمنين: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 5 - 7] .
وأنت ترى في أساليب الدعوة هذه:
1 -البيان بالحجة لا بالقوة، وبالبرهان لا الإكراه، وباللسان لا السنان.
2 -دفع الشبهات التي تثار بما يدحضها ويزيلها بمخاطبة العقل وإقامة الدليل بأساليب متعددة في صور مختلفة، بحيث تتناسب مع العقول المتفاوتة، حتى لا يبقى مجال للريب والشك.