الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا ثم بمطالعة ما يعمل والإشراف عليه ومراقبته ثانيا ثم بمحاسبته ثالثا ثم يمنعه من الخيانة إن أطلع عليه رابعا فكذلك النفس: يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التي حفظها هو رأس المال والربح بعد ذلك فمن ليس له رأس مال فكيف يطمع في الربح وهذه الجوارح السبعة وهي العين والأذن والفم والفرج واليد والرجل: هي مراكب العطب والنجاة فمنها عطب من عطب بإهمالها وعدم حفظها ونجا من بحفظها ومراعتها فحفظها أساس كل خير وإهمالها أساس كل شر قال تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم [ النور: 30 ] وقال تعالى: ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا [ الاسراء: 37 ] وقال: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [ الاسراء: 36 ] وقال: وقل لعبادي يقولوا التي هى أحسن [ الاسراء: 53 ] وقال: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا [ الأحزاب: 70 ] وقال: يكأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [ الحشر: 18 ]
فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها فلا يهملها فإنه إن أهملها لحظة رتعت في الخيانة ولا بد فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة حتى تذهب رأس المال كله فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران فإذا أحس بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع عليه بما مضى والقيام بالحفظ والمراقبة في مراقبته ومحاسبته وليحذر من إهماله
ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا
ويعينه عليها أيضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس والنظر إلى وجه الرب سبحانه وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة