ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث تكون مصلحتها في إعزازها وصيانتها كما يأمرك بالتبذل لذوي الرياسات وإهانة نفسك لهم ويخيل إليك أنك تعزها بهم وترفع قدرها بالذل لهم ويذكرك قول الشاعر:
أهين لهم نفسي لأرفعها بهم ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها وغلط هذا القائل: فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه بخلاف المخلوق فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله وعند أوليائه وهنت عليه
فصل ومن كيده وخداعه: أنه يأمر الرجل بانقطاعه في مسجد أو رباط
أو زاوية أو تربة ويحبسه هناك وينهاه عن الخروج ويقول له: متى خرجت تبذلت للناس وسقطت من أعينهم وذهبت هيبتك من قلوبهم وربما ترى في طريقك منكرا وللعدو في ذلك مقاصد خفية يريدها منه: منها الكبر واحتقار الناس وحفظ الناموس وقيام الرياسة ومخالطة الناس تذهب ذلك وهو يريد أن يزار ولا يزور ويقصده الناس ولا يقصدهم ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع الناس عنده وتقبيل يده فيترك من الواجبات والمستحبات والقربات ما يقربه إلى الله ويتعوض عنه بما يقرب الناس إليه
وقد كان رسول اللهAيخرج إلى السوق قال بعض الحفاظ: وكان يشتري حاجته ويحملها بنفسه ذكره أبو الفرج ابن الجوزي وغيره
وكان أبو بكر رضي الله عنه يخرج إلى السوق يحمل الثياب فيبيع ويشتري
ومر عبدالله بن سلام رضي الله عنه وعلى رأسه حزمة حطب فقيل له: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله عز و جل فقال: أردت أن أدفع به الكبر فإني سمعت رسول اللهAيقول: لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من الكبر
وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يحمل الحطب وغيره من حوائج نفسه وهو أمير على المدينة ويقول: افسحوا لأميركم افسحوا لأميركم