وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت له لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر وطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة وقد يقولون القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه أو الذين لا يرون أن لهم فعلا ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه أو لأنه قد تاب أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في أخرى أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الأخرى وكل هذا باطل
ولكن وجه الحديث أن موسى عليه السلام لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة فقال له: لما أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبا وتاب منه فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام وقد تاب منه أيضا ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين }
والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب قال الله تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك } فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب
وقال تعالى: { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه } قال ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة يعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم
فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة مثل المرض والفقر والذل صبروا لحكم الله وإن كان ذلك بسبب ذنب غيرهم كمن أنفق أبوه ماله في المعاصي فافتقر أولاده لذلك فعليهم أن يصبروا لما أصابهم وإذا لاموا الأب لحظوظهم ذكر لهم القدر
والصبر واجب باتفاق العلماء وأعلى من ذلك الرضى بحكم الله والرضى قد قيل: إنه واجب وقيل: هو مستحب وهو الصحيح وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها جعلها سببا لتكفير خطاياه ورفع درجته وإنابته إلى الله وتضرعه إليه وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه دون المخلوقين