ولا ريب أن من تدبر القرآن والسنة ومقاصد الشارع جزم بتحريم الحيل وبطلانها فإن القرآن دل على أن المقاصد والنيات معتبرة في التصرف والعادات كما هي معتبرة في القربات والعبادات فيجعل الفعل حلالا أو حراما وصحيحا أو فاسدا وصحيحا من وجه فاسدا من وجه كما أن القصد والنية في العبادات تجعلها كذلك
وشواهد هذه القاعدة كثيرة جدا في الكتاب والسنة فمنها: قوله تعالى في آية الرجعة ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا [ ] وذلك نص في أن الرجعة إنما تثبت لمن قصد الصلاح دون الضرار فإذا قصد الضرار لم يملكه الله تعالى الرجعة
ومنها: قوله تعالى في آية الخلع: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [ ] وهذا دليل على أن الخلع المأذون فيه إنما هو إذا خاف الزوجان أن لا يقيما حدود الله وأن النكاح الثاني إنما يباح إذا ظنا أن يقيما حدود الله فإنه شرط في الخلع عدم خوف إقامة حدوده وشرط في العود ظن إقامة حدوده
ومنها: قوله تعالى في آية الفرائض من بعد وصية يوصى بها أودين غير مضار [ ] فإنه سبحانه وتعالى إنما قدم على الميراث وصية من لم يضار الورثة فإذا كانت الوصية وصية ضرار كانت حراما وكان للورثة إبطالها وحرم على الموصى له أخذ ذلك بدون رضا الورثة وأكد سبحانه وتعالى ذلك بقوله: تلك حدود الله فلا تعتدوها [ ]
وتأمل كيف ذكر سبحانه وتعالى الضرار في هذه الآية دون التي قبلها لأن الأولى تضمنت ميراث العمودين والثانية تضمنت ميراث الأطراف: من الزوجين والإخوة والعادة أن الميت قد يضار زوجته وإخوته ولا يكاد يضار والديه وولده
والضرار نوعان: جنف وإثم فإنه قد يقصد الضرار وهو الإثم وقد يضار من غير قصد وهو الجنف فمن أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار قصد أو لم يقصد فللوارث رد هذه الوصية وإن أوصى بالثلث فما دون ولم يعلم أنه قصد الضرار وجب إمضاؤها