الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (1)
(1) قوله جل وعلا هنا ?وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ? [المائدة:51] هذا التولي المكفر الذي هو نصرة الكافر عن المسلم في حال الحرب لقصد ظهور الكفر، أو بقصد سلامة النفس على سلامة الإسلام، يدلّ على هذا التفسير قوله في الآيات نفسها ?فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ? [المائدة:52] (يُسَارِعُونَ فِيهِم) يعني في توليهم وفي نصرتهم ? يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ? [المائدة:52] فهذه دلّت على أن المقصود بقوله ?وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ? [المائدة:51] أنّه في حال القتال والنصرة؛ ? لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ? [المائدة:51] يعني خرج عن الدين لأنه نصرهم في حال قتالهم لأهل الإسلام، استشهد بها شيخ الإسلام للدِّلالة على معنى الوَلاية وأن الوَلاية هي المحبة والنصرة، (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) يعني أحبابا منصورين تنصرونهم وتتناصرون معهم، (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) بعضهم يحب بعضا وينصر بعضا.
القصد؛ في قصة حاطب، حاطب حصل منه مسارعة في إفشاء السر والإخبار بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على إتيان مكة، فلما قال عمر للنبي عليه الصلاة والسلام يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال « يا عمر أرسله، يا حاطب ما حملك على هذا؟» فاستفصاله عليه الصلاة والسلام دال على اعتبار القصد، وقد علل هو بأمر دنيوي، فقال: يارسول الله ما من أحد من صحابتك إلا وله في مكة قرابة أو أهل، يدفعون عن ماله، وليس لي أحد، فأردت أن يكون لي بذلك يد أدفع بها عن مالي. فقال عليه الصلاة والسلام «صدقكم» ، فدل هذا على أنه لم يقصد ظهور الكفر على الإسلام، وإنما قصد حماية نفسه. قصد حماية المال والنفس هذا راجع إلى أمر الدنيا وليس راجع إلى أمر الدين، فيكون التولي أو الوالاة بهذا المعنى محرّم وضلال عن سواء السبيل، ولكن ليست مكفرة، وذلك لقول الله جل وعلا ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ? [الممتحنة:1] قال العلماء: أثبت أنهم ألقوا المودة، ومع ذلك ناداهم باسم الإيمان فقال (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ومع ذلك قال في آخرها ?وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ? [الممتحنة:1] فدلّ على أن هذا الفعل وهو الموالاة بهذا المعنى محرّم وضلال عن سواء السبيل ولكن لا يخرج عن اسم الإيمان. ومَنْ نَصَرَ مُرجِّحًا سلامة نفسه على سلامة الإسلام فهو هنا يكفر ولو بالفعل، فرق بين أن يُسرّ لهم بشيء أو يمدهم بمال أو نحو ذلك وما بين فعل شيء فيه نصر لهم على المسلمين؛ يعني يفعل شيء معه نصر للكفر على الإسلام أو ظهور للكفار على المسلمين، ولهذا في نواقض الإسلام لإمام الدعوة رحمه الله ذَكر من النواقض مظاهرة المشركين على المسلمين، والمظاهرة لفظ له هذا المعنى الذي ذكرت، هذا بحث له موطن آخر بتفصيل.