وقد حشدوا واستنفروا من يليهم ... من الناس حتى جمعهم متكاثر
وسارت إلينا لا تحاول غيرنا ... بأجمعها كعب جميعًا وعامر
وفينا رسول الله والأوس حوله ... له معقل منهم عزيز وناصر
وجمع بني النجار تحت لوائه ... يمشون في الماذي والنقع ثائر
فلما لقيناهم وكل مجاهد ... لأصحابه مستبسل النفس صابر
شهدنا بأن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله بالحق ظاهر
وقد عريت بيض خفاف كأنها ... مقابيس يزهيها لعينيك شاهر
بهن أبدنا جمعهم فتبددوا ... وكان يلاقي الحين من هو فاجر
فكب أبو جهل صريعًا لوجهه ... وعتبة قد غادرنه وهو عاثر
وشيبة والتيمي غادرن في الوغى ... وما منهم إلا بذي العرش كافر
فأمسوا وقود النار في مستقرها ... وكل كفور في جهنم صائر
تلظى عليهم وهي قد شب حميها ... بزبر الحديد والحجارة ساجر
وكان رسول الله قد قال أقبلوا ... فولوا وقالوا: إنما أنت ساحر
لأمر أراد الله أن يهلكوا به ... وليس لأمر حمه الله زاجر
وقال عبد الله بن الزبعري السهمي يبكي قتلى بدر: قال ابن هشام: وتروى للأعشى بن زرارة بن النباش أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم حليف بني نوفل بن عبد مناف.
قال ابن إسحاق: حليف بني عبد الدار:
ماذا على بدر وماذا حوله ... من فتية بيض الوجوه كرام
تركوا نبيها خلفهم ومنبهًا ... وابني ربيعة خير خصم فئام
والحارث الفياض يبرق وجهه ... كالبدر جلي ليلة الإظلام
والعاصي بن منبه ذا مرة ... رمحًا تميمًا غير ذي أوصام
تنمى به أعراقه وجدوده ... ومآثر الأخوال والأعمام
وإذا بكى باك فأعول شجوه ... فعلى الرئيس الماجد ابن هشام
حيا الإله أبا الوليد ورهطه ... رب الأنام وخصهم بسلام
فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري فقال:
ابك بكت عيناك ثم تبادرت ... بدم تعل غروبها سجام
ماذا بكيت به الذين تتايعوا ... هلا ذكرت مكارم الأقوام
وذكرت منا ماجدًا ذا همة ... سمح الخلائق صادق الإقدام
أعني النبي أخا المكارم والندى ... وأبر من يولى على الإقسام
فلمثله ولمثل ما يدعو له ... كان الممدح ثم غير كهام
وقال حسان بن ثابت الأنصاري أيضًا:
تبلت فؤادك في المنام خريدة ... تسقي الضجيع ببارد بسام
كالمسك تخلطه بماء سحابة ... أو عاتق كدم الذبيح مدام
نفج الحقيبة بوصها متنضد ... بلهاء غير وشيكة الأقسام
بنيت على قطن أجم كأنه ... فضلًا إذا قعدت مداك رخام
وتكاد تكسل أن تجيء فراشها ... في جسم خرعبة وحسن قوام
أما النهار فلا أفتر ذكرها ... والليل توزعني بها أحلامي
أقسمت أنساها وأترك ذكرها ... حتى تغيب في الضريح عظامي
يا من لعاذلة تلوم سفاهة ... ولقد عصيت على الهوى لوامي
بكرت علي بسحرة بعد الكرى ... وتقارب من حادث الأيام
زعمت بأن المرء يكرب عمره ... عدم لمعتكر من الأصرام
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام
تذر العناجيج الجياد بقفرة ... مر الدموك بمحصد ورجام
ملأت به الفرجين فارمدت به ... وثوى أحبته بشر مقام
وبنو أبيه ورهطه في معرك ... نصر الإله به ذوي الإسلام
طحنتهم والله ينفذ أمره ... حرب يشب سعيرها بضرام
لولا الإله وجريها لتركنه ... جزر السباع ودسنه بحوامي