ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها يذكر فهيا ما أصابهم الله به من نقمته وما سلط عليهم به رسوله صلى الله عليه وسلم وما عمل به فيهم فقال تعالى:"هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين"وذلك لهدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذا احتملوها"فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء"وكان لهم من الله نقمة"لعذبهم في الدنيا": أي بالسيف"ولهم في الآخرة عذاب النار"مع ذلك"ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها"واللينة: ما خالف العجوة من النخل"فبإذن الله": أي فبأمر الله قطعت لم يكن فسادًا ولكن كان نقمة من الله"وليخزى الفاسقين".
قال ابن هشام: اللينة: من الألوان وهي ما لم تكن برنية ولا عجوة من النخل فيما حدثنا أبو عبيدة قال ذو الرمة:
كأن قتودي فوقها عش طائر ... على لينة سوقاء تهفو جنوبها
وهذا البيت في قصيدة له.
"وما أفاء الله على رسوله منهم"قال ابن إسحاق: يعني من بني النضير"فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير": أي له خاصة.
قال ابن هشام: أوجفتم: حركتم وأتعبتم في السير قال تميم بن أبي بن مقبل أحد بني عامر بن صعصعة:
مذاويد بالبيض الحديث صقالها ... عن الركب أحيانًا إذا الركب أوجفوا
وهذا البيت في قصيدة له وهو الوجيف وقال أبو زيد الطائي واسمه حرملة بن المنذر:
مسنفات كأنهن قنا الهند لطول الوجيف جدب المرود
وهذا البيت في قصيدة له.
قال ابن هشام: السناف: البطان والوجيف أيضًا: وجيف القلب والكبد وهو الضربان قال قيس بن الخطيم الظفري:
إنا وإن قدموا التي علموا ... أكبادنا من ورائهم تجف
وهذا البيت في قصيدة له.
"ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول"قال ابن إسحاق: ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب وفتح بالحرب عنوة فلله وللرسول"ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"يقول: هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين على ما وضعه الله عليه.
ثم قال تعالى:"ألم تر إلى الذين نافقوا"يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ومن كان على مثل أمرهم"يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب": يعني بني النضير إلى قوله"كمثل الذين من قبلهم قريبًا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم": يعني بني قينقاع ثم القصة... إلى قوله:"كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين".
وكان مما قيل في بني النضير من الشعر قول ابن لقيم العبسي ويقال: قاله قيس بن بحر بن طريف قال ابن هشام: قيس بن بحر الأشجعي فقال:
أهلي فداء لامرئ غير هالك ... أحل اليهود بالحسي المزنم
يقيلون في جمر الغضاة وبدلوا ... أهيضب عودي بالودي المكمم
فإن يك ظني صادقًا بمحمد ... تروا خيله بين الصلا ويرمرم
يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم ... عدو وما حي صديق كمجرم
عليهن أبطال مساعير في الوغى ... يهزون أطراف الوشيج المقوم
وكل رقيق الشفرتين مهند ... توورثن من أزمان عاد وجرهم
فمن مبلغ عني قريشًا رسالة ... فهل بعدهم في المجد من متكرم
بأن أخاكم فاعلمن محمدًا ... تليد الندى بين الحجون وزمزم
فدينوا له بالحق تجسم أموركم ... وتسموا من الدنيا إلى كل معظم
نبي تلاقته من الله رحمة ... ولا تسألوه أمر غيب مرجم
فقد كان في بدر لعمري عبرة ... لكم يا قريشًا والقليب الملمم
غداة أتى في الخزرجية عامدًا ... إليكم مطيعًا للعظيم المكرم
معانا بروح القدس ينكى عدوه ... رسولًا من الرحمن حقًا بمعلم